العلاقة المُضلِّلة

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

علاقة المحكومين مع الحكام، والأتباع والزعيم السياسي أو القائد الذي ليس في السلطة، في وجهها الظاهر، علاقة مضللة. حيث يبدو التأثير فيها وحيد الاتجاه: من الحاكم أو الزعيم نزولا إلى المحكومين والأتباع، فالحكام والزعماء قادة، والمحكومون والأتباع مقادون، أو منقادون.

وهذا التضليل ليس نابعا من فراغ، إذ إن له ما يسنده. فمن المعلوم أن كثيرا من المجموعات البشرية غيرت معتقداتها واعتنقت معتقدات جديدة بعد أن تخلى شيوخها أو وجهاؤها أو حكامها عن تلك المعتقدات وتبنوا هذه.

من ذلك، مثال مملكة الخزر، التي كانت تغلب فيها عبادة عضو الذكورة، وفي ظروف تاريخية اقتصادية وسياسية معينة، كانت تمر بها هذه المملكة، اعتنق ملكها الخاقان بولان سنة 740 الديانة اليهودية، فتحول معه إلى هذه الديانة قسم من السكان في مقدمتهم أسر النبلاء. وهناك مثال اعتناق زعماء قبائل عديدة في أفريقيا للإسلام وتحول أتباعهم معهم إلى هذه الديانة الجديدة.

وهكذا سادت في الذهنية الإسلامية مقولة "الناس على دين ملوكها".

لكن في حالة مملكة الخزر لم يكن التحول بهذه البساطة. إذ كانت الديانة اليهودية إحدى الديانات الموجودة بالمملكة إلى جانب المسيحية والإسلام، ما يعني أن الملك تبنى ديانة قسم من رعاياه، أي أنه هو الذي صار على دينهم، وليس العكس.
وفي حالة الإمبراطورية الرومانية حين أعلن الإمبراطور تياؤدوسيوس، سنة 380 بعد الميلاد، المسيحية دينا رسميا للدولة وفق المذهب الأرثوذكسي، كان قد مر على تسرب المسيحية إلى أوروبا وسريانها فيها ما يزيد عن ثلاثة قرون وكانت قد حظيت بالاعتراف بها كأحد الأديان الموجودة في الإمبراطورية. أي أن الإمبراطور هنا هو من صار على دين نسبة كبيرة من شعبه.

وإذن، ليس دقيقا القول أن الناس على دين ملوكها، بل إن الغالب هو العكس، أي أن الملوك على دين رعاياها.

وحتى في الزمن الحالي، وحين يتعلق الأمر بعلاقة الزعماء السياسيين بأتباعهم أو جماهيرهم، فليس الزعماء هم الذين يؤثرون على عقول الجماهير، وإنما العكس هو الصحيح. حيث "بينت بعض الدراسات أن المعلومات المخالفة لرأي الفرد لا تغير من وجهة نظره، بل تؤدي إلى زيادة حدة الاستقطاب، كما بينت أن الجمهور يثق بآراء القادة الذين يعبرون عن وجهات نظر تتوافق مع آرائه"*.

وهذا يفسر نجاح القادة الشعبويين الذين يستحثون مشاعر وعواطف الجماهير البسيطة القائمة على التعصب القومي والعرقي والديني.

* مروان قبلان، عصر التحولات الكبرى، قراءة في تقرير "اتجاهات عالمية: مفارقات التقدم الإنساني"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، 2017 ص 17.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات