ركن العامرية... يا حبَّذا إن طلت يا مقصّ

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

في زيارة لي قريبة لبلد الفرح والصخب والفيروز واللازورد، ذلك البلد الذي شهد هيجان الحروب وفوران الساسة حتى اشتعلت نيران الطائفية وبرق لهيب المذهبية على مدار عشرين خريفًا تقريبًا، حدثني السائق "السياسيين حرضّوا على الطائفية لمصالح ضيقة.. وتحارب الناس وصارت العالم تقتّل بعضها لكن لما استوعبوا أن لبنان بلادهم كلهم ولزمًا يعيشوا مع بعضهم فيه، ساعتها وقفت الحرب بين الناس وخلّوا السياسيين يتحاربوا لحالهم"!. كلمات بسيطة حملت معاني عميقة عجز عن التفكير فيها بعض عتاة العلم والثقافة والسياسة في بلادنا.

وبالرغم من طول أمد الحرب الأهلية اللبنانية إلا أن الحركة الثقافية في لبنان لم تتوقف أبدًا، بل أبدت مقاومة راقية المزاج وإن تأثرت سلبًا تأثرًا غير بسيط، فكانت بيروت وبجهود متطوعين حاضنة لأول معرض للكتاب العربي في شرقنا الأوسط وذلك عام 1956م.

ويظهر الإصرار اللبناني جلّيًا عندما تعذَّر على القيّمين على المعرض المضيّ فيه عام 1989م لظروف قاهرة، كمنع التجوال ليلًا وصعوبة التنقل نهارًا، ولكن أبدى كل من له علاقة بالكتاب مجابهة ثقافية مذهلة فأُقيم المعرض في العام التالي 1990م مرتين كي لا يفوت على البلاد بكلمات المرحوم الحريري "موسم الفرح بالثقافة والكتابة والمثقف والكتاب. إنه فرح بالقدرة على التعبير والإبداع وفرح بالتجدد والتجديد من خلال الثقافة والكتاب".

فكيف يمكن وصف شعب أنجب الفرحين بالثقافة والكتاب!

من اللافت أنه قلّما تعرّض معرض لبنان للكتاب العربي لمقصّ الرقابة، فحرية الفكر والكتابة لهما حيّز كبير وقدر عريض في الوجدان اللبناني، فلا كتب ممنوعة من النشر والتداول ولا وصاية من ولّي أمر لإقرار ما يصلح للقراءة ويبدو أن المسئولين بعمومهم على قناعة بمبدأ حتمية بقاء السمين وفناء الغث الرديء لأنه كالزبد يذهب جفاء، هذا ما أخبرني به شيخ لبناني طاعن في السن في إحدى المكتبات بالعاصمة اللبنانية.

دائمًا ما أدهشتْ رأسي حكاية مقصّ الرقيب. ففي عصر جنون التكنولوجيا الذي نعيشه أصبح الأمر مبعثًا على الضحك لسخافة الفكرة. فلو تدبّر الرقيب قليلًا لاكتشف أن المعدل الوسطي للقراءة سنويًا عند العربي لا يتجاوز ربع صفحة من كتاب بحسب تقريرعن لجنة متابعة النشر في المجلس الأعلى للثقافة في مصر. وبحسب تقرير آخر عن مؤسسة الفكر العربي فإن الإنسان العربي يمضي ست دقائق كئيبة من عمره سنويًا في القراءة. أما الأوربي فيقرأ ما يعادل مئتي ساعة سنويًا!. ولذا فلو فكّر صاحب المقصّ في كل ذلك لما أضاع وقته وجهده في القراءات المترصّدة لكتابات الأدباء والكتّاب. ولكن لا لوم على المصاب بالإعتام الفكري. بل على من يسلّطه، هذا بدل التركيز على تقوية السلطة الوهنة للضمير على النفس المستفحلة في مجتمعنا.

ولا عجب أن يحتفي لبنان وأهله بالثقافة والكتاب فلقد كانت له الريادة في مجال التعليم، فأول المدارس والجامعات على مستوى البلاد العربية اُفتتحت على يد رهبانه، كذلك أول مدارس البنات. و قد زار الشيخ المتنور محمد عبده بيروت عام 1883م وكان عدد السكّان حينها لا يزيد عن ثلاثين ألف نسمة في مقابل نصف مليون إنسان في القاهرة إلا أن الشيخ رجع لبلاده منذهلًا فعدد المدارس في بيروت كان مماثلًا لما هو في القاهرة ناهيك عن جامعتين في بيروت مقابل العديد فقط من المدارس العليا في القاهرة!

لبنان ولا عجب الرائد ثقافيًّا في منطقتنا العربية، فأول مطبعة باللغة العربية في الشرق كانت في دير ماريوحنا بمنطقة الخنشارة عام 1731م على يد الشمّاس عبد الله الزاخر الذي طبع أول كتاب بالأحرف العربية بعنوان ميزان الزمان واستمرت مطبعته في العمل حتى عام 1899م.

لبنان إذًا لا يكون لبنان إلا بمشهده الثقافي الذي يتجاوز بعمقه كل الدول العربية تقريبًا وبفضل مقاومة مثقفيه ونخبته من المفكرين والأدباء تمكّن من جمع الأطياف الفكرية من كل المشارب في عمق قلبه فآمن بحق الاختلاف لكل الناس وتجلّى ذلك باحترامه لحرية الفكر مما أوهن مقصّ الرقيب محتفيًا بالثقافة والكتاب وبموسم الفرح الذي يعود كل عام.

وكم من الجمال عظيم يكمن في الاحتفال بالثقافة. لكنها المزايدات البليدة طاغية على سمائنا وبحرنا وصحرائنا، تارة متلحّفة بالدين أو الأخلاق تارة أخرى وأحيانًا الخوف من ضياع العادات والتقاليد. هو حالنا الوهن الذي افتقد للفرح بالكتاب والكتّاب ليبدله بالشتم والقذف ولطم الخدود وشقّ الجيوب لمناداة مقصّ الرقيب للمزيد من القصّ، ولسان الحال يولول يا حبَّذا إن طلت يا مقصّ .. الأعناق أيضًا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات