الحل اللا حل!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

"فحتى عندما لا نبصر نورا في نهاية النفق يجب أن نؤمن بأن النور لابد أن يظهر"
أمين معلوف

1-
كان الفاتح من سبتمبر كل عام ذكرى الانقلاب العسكري على النظام الملكي مدعاة انتظار ورجاء وموعد لسقوط السلوى والمن، عند اقتراب هذا اليوم في كل عام تتردد الإشاعات التي تبثها الأجهزة الأمنية أن ثمة حلا قادما: القائد المعلم والمفكر الثائر العقيد معمر القذافي مُدرك أن البلاد في مهلكة، وأن سُكانها في مسغبة، ولذا في الفاتح القادم يقدم الحل النهائي. الليبيون كل عام يُمنون النفس وبهم توق لذا الحل الذي يأتي ولا يأتي، هذا اللا حل بدأ أنه الحل لأكثر من أربعة عقود.

وليس الليبيون في ذلكم فرادة ففي الكون أشباه لعل من أشهرهم البلاد المُشابه على الأقل في الإسم وأعني "لبنان" ، حيث ارتضى اللبنانيون "اتفاق الطائف" اللا حل كحل أو شُبه لهم، أما الفلسطينيون فإن "اتفاق أوسلو" حقق مآربهم في الانقسام طريقة وبات اللا حل الحلا.

وإذا كان دوام الحال من المحال فإن حال اللا حرب واللا سلم استثناء هذه القاعدة، عليه يكمن الحل في التسويف والاعتياد، فتثيبت الأوضاع على ما هي عليه مكسب لأن التدهور هو الخسران، وحال كهذا يجعل المرء في الأخير يقنع بهكذا مكسب يحدُ من الخسارة أكثر، وفي الخصوص تحضرني نكتة رددها الليبيون زمن المسغبة "القذافية" بأن أحد الليبيين ذهب شاكيا إلي أم معمر القذافي وأخبرها أن معمرا هذا مُدمر، فربتت العجوز على كتف الشاكي إنه كان لها قبل معمر ولد أسمته خميس، وأن الله يحب الليبيين فقد توفاه طفلا وأن معمر معه ملاك.

2-
الحلول تأتي جملة وقطاعي في المسألة الليبية منذ مارس 2011م وحتى الساعة، من الأمم المتحدة ومجلس أمنها والاتحاد الأوروبي أو الأفريقي والجامعة العربية ودول الجوار واللا جوار، من تونس ومصر والجزائر والمغرب وباريس وروما وموسكو ولندن والإمارات وأديس أبابا والكونغو برازفيل، يقدمها مارتن ومتري وليون وكوبلر وغسان، ومن غيرهم تأتي هذه الحلول الجمة لتحقق اللا حل ومهمة كل الأطراف في الداخل تنفيذ ذلك وبتأييد شعبي مضطرد حيث يبان كل مرة أن المراد هو هذا الحل العبقري اللا حل.

يسأل العاقل ما المراد من تكريس الحال على ما هو عليه، قبل أن نشير إلى أن المسألة الليبية أكثر المسائل القابلة للحل خلال هذه المرحلة وأقل المسائل الدولية تعقيدا، هكذا رأى العقلاء من الساسة والمهتمين بالشأن الليبي من الكافة وعلى رأسهم الأمين الحالي لجامعة الدول العربية - أبو الغيط حين كان فاضيا واهتم بالقضية الليبية.

وكأنما هذا التقدير المجمع عليه حول القابلية للحل هو نفسه المدعاة للا حل، هذه المفارقة تبين بشكل ما أن التسويف ناتج فوائد تحصدها كل الأطراف من جعل المدافع تسكت والأفواه تفتح للغو وتصريحات وخصومات حول طاولات الاجتماعات، فكل يُظهر أنه يجنى ما يريد من هكذا حال، وعلى رأسهم جميعا "ترامب" من أمسى يحصد العواصف.

أما في ليبيا فالحال على ما هو عليه يعني أن "الصديق الكبير" وكل من على شاكلته كمنتج لما بعد فبراير لا يكرس وجودهم إلا: اللا حل.

3-
الكل يدحرج كرة الثلج للآخر أما الليبيون فهم في غيهم يعمهون هم من عاشوا لعقود أربعة وزيادة في انتظار السلوى والمن مع كل إطلالة لليلة الفاتح العظيم، ولقد استمرؤوا حالة التسويف، وانتظار ما يأتي ولا يأتي، وباتوا من ذلكم يرون في العجلة الندامة هم شعب الله المستعجل.

إن المؤتمرات والاجتماعات ومبعوث الأمم المتحدة المهمة الرئيسة لديهم تحقيق أمان الليبيين من مسئولين وغير مسئولين في تحقيق اللا حل، وهذا يعلل ركون وتكاسل دول الجوار مؤخرا في الاهتمام بالمسألة الليبية والتحول إلى متفرج وحيد على الكرة الليبية التي يتبادل ركلها اللاعب الإيطالي واللاعب الفرنسي فيما "ميركل" الحكم. وكذا متابعة المسرحية الليبية في آخر عروضها الأفريقية على المسرح البرازفيلي ما ختامه مسك: اللا حل.

يتم ذا العرض الرئيس في عواصم عدة وفي عاصمة البلاد وغيرها من المدن ثمة عروض صغيرة على الهامش لإلهاء المشاهدين، بمثل فيلم " شمس على نوافذ مغلقة " وفي الحين الجثث المجهولة تملأ الشوارع من فعلة مجهولين، ولا شعرة تحك ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، إن "اللا حل" البطل الرئيس في فيلم ليبيا ما يدوم عرضه حتى الآن لنصف قرن.

هذا ما يبدو أنه دستور منطقة تعيش الموجة الثانية من الربيع العربي التي عنوانها ما بعد داعش، ومن هذا فالمستبعد عند الكثيرين هو أن المسألة الليبية فصل من فصول هذا العالم المتغير.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات