وفاة جمعة الغماري الحزر: رفيق الألم والأمل

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

"وإنَّ الرزءَ، يوم وقفت أدعو... فلم أُسمعْ معاويةَ بن عمرو"
دريد بن الصِمّة

"ألا أيها الركب المخبون ويحكم... بحق نعيتم عروة بن حزامِ"
عفراء

وإذن، فقد رحل جمعة الغماري الحزر، رفيق المعاناة والألم والأمل. غادرنا، أمير التفتح والأمل وعدو الظلام والتوحش، إلى حيث لا عودة. لقد مات.

مات مثلما تموت الفراشات، وتتبخر قطرات الندى، وتموت الآمال وتغيب الضحكات عن الأطفال المطعونين بالتيتم والثكالى المتفاجآت بالرزية، وتنطفيء الشموع بفعل نفثة هواء مباغتة.

مات جمعة الذي أصر على إيمانه بأن الثابت في الحياة حلاوتها، أما مرها فزائل وإن طال مداه.. وأن قدر الإنسان هو الأمل، أما اليأس فضباب عابر.

سجن جمعة الغماري الحزر بعد ما عرف بخطاب زوارة، أو ما سمي بالثورة الثقافية، سنة 1973، وحكم عليه مع رفاقه بالسجن المؤبد. وأدخلتُ أنا ورفاقي السجن في الأسبوع الأخير من سنة 1978، وحكم على اثني عشر فردا منا بالسجن المؤبد.

في نهاية سنة 1981، على ما أذكر، تم تجميع المساجين المحكومين بالسجن المؤبد في قسم واحد، (بسجن الحصان الأسود بمنطقة باب بن غشير بطرابلس، وكان قبل ذلك يعرف بـ "الحصان الأبيض" وبورتا بينيتو، على اسم الدكتاتور الإيطالي بينيتو موسيليني الذي بُني السجن في عهده). وهناك التقيت بجمعة الغماري الحزر. ترافقنا في مناخ فداحة السجن وجهودنا في محاولة استنباع الفرح والأمل من صوانه الجارح وترطيب شظف العيش فيه، أكثر من ست سنوات.

كان جمعة صلب الإرادة والعزيمة، نضر الروح والمشاعر والعواطف. وكان مثقفا دون ادعاء ومتواضعا دون تظاهر. كان عليما بالشعر الشعبي ويقوله، ويتوفر على ذخيرة نفيسة من الأمثال والحكايات والطرائف الشعبية، كما كان يمتلك مجموعة من المهارات، فهو خطاط ورسام ويحذق بعض مهارات الأشغال اليدوية الفنية.

كان ممتلئا بروح الدعابة (وليس السخرية)، بحيث تسري في أحاديثه ومعاملاته، فكان يبسط هذه الروح لإسناد معنويات رفاقه، ويشهرها سلاحا في وجه عدوان السجن وحقد المستبدين.

لا أذكر أنني رأيته مرة عابسا متجهما منطويا على نفسه راغبا عن النقاش الفكري أو المباسطة والممازحة. كان نعم الرفيق الذي لا يلتزم بمتطلبات الرفقة، فحسب، وإنما تنفتح سماحة نفسه للتغاضي عن تنغيصات هذا الرفيق أو ذاك، مراعيا ما يمكن أن تخلقه حالة السجن من توترات نفسية.

قال لي جمعة بوكليب مرة، أثناء وجودنا في السجن، أن جمعة الغماري الحزر قال له في سياق حديث بينهما ما معناه: أن ترافق الناس الجيدين وتكون حسن السلوك معهم، ليس مدعاة للفخر. الفخر أن ترافق الأشخاص السيئين والمتعبين وتكون حسن السلوك معهم.

لقد منحني جمعة الغماري الحزر ميزة الفخر بتعرفي عليه وعيشي وتعايشي معه وصداقته، وإن كنت، من جانبي، قد قصرت، على مستوى فلسفته في المعايشة المشار إليها، في أن أمنحه ما هو مدعاة لفخره.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات