" قطاطيس"

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

لم يخطر ببالي أبدا حجم "تسلط" القطط المذهل على عقول البشر إلاّ بعد أن قرأت بضعة مراجع عنها؛ فقبيل هذا العيد المبارك، قرأت أن مجموعة صديقات بـ (الفيسبوك) اتفقن على أن يرصدن غياب القطط يوم النحر، فثمة قول أن القطط تختفي في هذا اليوم خوفا من مصير الخراف. لقد سمعت هذا القول من قبل، وقررت أن أتتبع نتائجه.

وتذكرت أنه لي مع القطط ثلاثة تجارب؛ كان لي في طفولتي قط أبلق بعينين مختلفتي الألوان، واحدة كزمردة والثانية زعفرانية اللون تخبو وتومض كذوبة الشمعة. كنت قد اقتنيتها صغيرة، أعود إليها بالجبن الذي كانت النقطة الرابعة أيام الفقر توزعه على المدراس. وكنت ألقاها في أول شارع محمد موسى عند قهوة سيدي عبد الواحد، فتقفز فوق الكيس الأبيض الذي صنعته أمى حقيبة من شوالات دقيق المصالح المشتركة الأمريكية، ولقد تفننت فيه والدتي بحيث صار الكفان المتصافحان المرسومان فوق أشولة الدقيق في منتصف (حقيبتي) المدرسية.

لم يخطر ببالي أبدا حجم "تسلط" القطط المذهل على عقول البشر إلاّ بعد أن قرأت بضعة مراجع عنها

كانت تقفز برشاقة فوق الحقيبة تتشمم الجبن، وعندما تتيقن أنه لا جبن تتمسح برجلي حتى أدغدغ أسفل حنكها، فتنام ويرتفع خريرها. كانت فخري أمام "عيال" الشارع عندما يحكون لمعارفهم عن هذه (القطوسة) المرابطة، التي تنطلق نحوي كسهم وتقفز مستقرة فوق كتفي من دون أن تؤذيني بمخالبها.

وذات يوم لم تستقبلني كعادتها في أول الشارع ولم أجدها في البيت ولكن أمي طمأنتني أنها تغيب أحيانا ولكنها لا تنام بعيدا عن البيت. في المساء وفيما كنا متحلقين حول صحن حساء القديد ببواقي الخبز الناشف، سمعنا مواء خافتا وخربشة على الباب قمت وانطلقت نحو الباب، وعندما فتحته كانت قطتي (مسعودة) مرمية كخيشة وعندما رفعتها ارتفع مواؤها. "يا للهول!" كان نصفها السفلي قد سحقته سيارة. عجزت عن فعل أي شيء. كانت تحدق فيّ وتئن. عندما صحوت كانت أمي قد سبقتني ووضعتها في صندوق حذاء شقيقتي الذي احتفظت به ضمن مقتنيات ألعابها. قالت لي: "اذهب ادفنها في الخرابة المقابلة. لا تنسَ أن تقرأ عليها القرآن حتى تذهب إلى الجنة وسوف تجدها هناك بعد عمر طويل هناك. الرسول صلى الله عليه وسلم يحب القطط. لقد قطع كُم عباءته كي لا يوقظ هرا". لم أتطلع منذ فراق تلك القطة إلى تربية غيرها. إلى أن قابلت قطتي الثانية.

تعرفت عليها بالصدفة، من بعد أن تزوجت. كانت قطة والدتي ولدت قطيطات مختلفة الألوان. اكتشفت أن إحداها عمياء. رأيت تدريبها في مساحة بيتي الصغير، استمتعت بتدريبها، كأن تتجه مباشرة لمكان قضاء حاجتها، أو نومها، أو تقف قبل أن تصطدم بالحائط، وكنا نأخذها بين حين وآخر لتلعب مع أخوتها وتتمسح بأمها. وكبرت وذات مساء لم نجدها بحثنا عنها وكررت صفيرا اعتادت عليه ولكنها لم تعد. انتبهت أنها فوق الحائط وحولها عدد من الشبارق (الشبقة) وأمها بجانبها تنظر نحوي بازدراء.

لقد غلب نداء الطبيعة صفيري. فتركتها في مكانها الطبيعي وحبلت وانجبت عددا من الشبارق والهريرات والقطيطات. الثالثة لم تكن قطتي، ولكنها قطة المرحوم الدكتور رؤوف بن عامر، كانت سيامية جميلة للغاية، وذات يوم أخبرني أنها في أوان إخصابها، اقترحتُ الاستعانة بقط الدكتور مراد لنقي السيامي. واستعرناه. وفي طريق عودتنا أكثرتُ من استعمال بوق السيارة. فسألني، رحمه الله عليه، مشتاطا: "فيه أيه؟" فقلت له مداعبا: " الرسول صلى الله عليه وسلم قال " أعلنوا أعراسكم .. نحن نزف القط للقطة".

القرن الثامن عشر هو البداية الحقيقية لرفاهية القطط

أجابني: "بالله لو لم تتوقف لعدنا بالقط إلى صاحبه. قالك أعراسكم". وبعد شهر بحثنا خلاله عن حليب (كرنيشن) ورئة وكبد ة ضأن في وقت كانت فيه مثل هذه الأشياء ترفا، عدنا بالقط إلى صاحبه. وبعد حوالي شهرين وجدته ذات صباح غاضبا على غير عادته، وما إن لمحنى حتى هب محتدا: "كله منك!. أنا لا أدرى كيف وافقتك؟"، أجبته متسائلا: "خير إن شاء الله؟ ماذا حدث؟". أجابني غاضبا: "ست "قطاطيس" محليات، ولا وحده سيامية؟. وتقولي زفه. لا والمصيبة أنها ولدت في دولابي". لقد غلبتني ضحكة، ولكنني خنقتها خشيت غضبه.

إليكم ما عرفت عن هذا المخلوق الأناني الذي لن يتردد في خدشك بمخالبه إن انزعجت قيلولته. لقد لخصت مقالا يقول أن هذا المخلوق آلف الناس، وغزا بيوتهم منذ سبعة ألاف سنة وحظي بأفضل معاملة، وأيضا أسوأها؛ اُطعم أفخر أنواع المحار، واعتبرته الكنيسة في القرن الثالث عشر تجسيدا للشيطان، ففي سنة 1699 اتهمت الكنيسة 300 طفل تمكنت منهم القطط الشيطانية فقتلت نصفهم وظلت تجلد البقية بالسياط من بعد قداس الأحد. أما المصريون القدماء اكرموها حتى أنهم دفنوها في مدافن خاصة مع فئران محنطة لتقتات عليها في العالم الآخر.

القرن الثامن عشر هو البداية الحقيقية لرفاهية القطط. وظفها الجيش البريطاني للقضاء على الفئران في مخازن الميناء. وانتشرت بعد ذلك كحيوانات أليفة. بلغ سعر بعض فصائلها، التي تقدر 500 جنس إلى حوالي 5000 $. والقطط لا تعيش في جماعات ذات مصالح مشتركة أو سلطة هرمية.

ويقدر أن ما تقتنيه العائلات الأمريكية من قطط في أواخر القرن الماضي، حوالي 50 مليون قطة ينفقون عليها سنويا مليارين ومئة مليون دولار منها 400 مليون لشراء الرمل الذي تتبرز فوقه. وهناك محلات متخصصة في بيع أوانٍ ومواد ترفيهية للقطط، وهناك فنادق مخصصة للعناية بها أثناء غياب أصحابها، ويقوم موظفون متخصصون بقراءة الرسائل على القطط التي يبعثها أصحابها أثناء غيابهم. بل هناك أطباء نفسيون لعلاج القطط التي تصاب بالاكتئاب جراء غياب أصحابها، ناهيك عن توفير مدربين يعلمونها أساليب استخدام المرحاض. ويبلغ ما تصدره دور النشر أكثر من ألف كتاب سنويا عن القطط. وبسبب هذه الرفاهية قفز متوسط عمر القطط من 16 سنه إلى 18 سنة.

بقي أن نعرف أن علماء (القطاطيس) يقولون أن القطط غيورة جدا

بقي أن نعرف أن علماء (القطاطيس) يقولون أن القطط غيورة جدا فلقد تزوج ثري من فاتنة اشترطت أن تصحب قطها معها، فلم يمانع الزوج ولكنه لم يطق غرفة نومة فالقط جعل رائحتها لا تطاق، فتلك وسيلة القطط لتحديد مساحة ملكيتها، كان القط قد درب على استخدام الحمام، ولكن المنافسة مع الزوج جعلته يعود إلى طبيعته، ولما اشتد الصراع بينهم صار يتبرز فوق مقعد الزوج. وللقطط حاسة سادسة فلقد استطاعت قطة أمريكية أن تقطع 300 كيلومتر لتصل منزل مربيتها التي رحلت في غيابها. لقد قطعت رحلتها في سنة كاملة.

في سنة 1982 أقيم معرض للقطط في حديقة (ماديسون سكوير) بنيويورك حضرة 11.205.000 زائر. قال عالم القطط أنها فرحت كثيرا بحضور الزوار، فالإنسان بالنسبة لها مجرد دمية كبيرة.
وهكذا من بعد معرفة حجم هذا التسلط على عقول البشر قد يكون ما يقال عن اختفائها يوم عيد الاضحى حقيقة. سنتأكد من ذلك لاحقا وكل عام وانتم بخير وهناء، بقطط أو بدونها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات