من اضطهاد الألفاظ إلى اضطهاد الكُتَّاب

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

"قولة صُصْ اتْلِمْ الْبِلْ"* مثل ليبي.

ثمة ألفاظ أحب أن أصفها بـ"الألفاظ المضطهدة"، وهي تلك التي جرى العرف على وصفها بأنها نابية أو منافية للحياء والذوق العام، ومصدر الاضطهاد هنا أنها أُفردت "إفراد البعير المعبد" وحرم تداولها العلني لأنها، ويا للمفارقة، شاع استعمالها شعبيا!. ومن ثم ارتبطت بكونها سوقية وشوارعية لا ينبغي استخدامها على المستوى العام المؤدب وراقي الذوق.

وهي تُنبذ، رغم استخدام مرادفات لها تقوم مقامها وتعني معناها. فلا يتحرج المرء، ذكرا كان أو أنثى، من أن يستخدم في ندوة عامة، وربما حتى في لقاء أسري، تعبير "بنات الليل" أو "بنات الهوى" أو لفظة "عاهرة" أو "داعرة" أو "مومس"، لكن يعاب ويشنع عليه إذا ما ذكر اللفظة الشعبية التي تعني ذات المعنى.

ثمة ألفاظ أحب أن أصفها بـ"الألفاظ مضطهدة"، وهي تلك التي جرى العرف على وصفها بأنها نابية أو منافية للحياء والذوق العام

ومع ذلك فإن جريان هذه اللفظة المعدودة، مع أخواتها المضطهدات، غير محتشمة ومنافية للحياء على الألسن في الحياة اليومية أكثر بما لا يقاس من جريان أخواتها المؤدبات المحتشمات.

البعض يترصد ورود هذه الألفاظ في أعمال أدبية منشورة في كتب، ويثير الضجيج والعجيج بصددها، بدعوى أنها منافية للأخلاق وتنشر الرذيلة وتحرض عليها، وتفسد النشء. متناسين أن غالبية الأطفال البالغين الخامسة أو السادسة من أعمارهم يعرفون هذه الذخيرة من الألفاظ ويستخدمونها في تعاملهم اليومي في لعبهم ومزاحهم وعراكهم مع أندادهم في الشارع. فهم يعرفون الألفاظ الشعبية "المضطهدة" الدالة على أعضائهم الحميمة ويعرفون، إلى حد ما، استخدامها المسكوت عنه.

وبغض النظر عن مقاصد أول من أطلق شرارة الحملة على كتاب "شمس على نوافذ مغلقة" من خلال نشره على الفيسبوك الصفحات القليلة الواردة بها ألفاظ "منافية للحياء العام" في نص من نصوص الكتاب، يبدو أن قوى وجهات مؤدلجة ومنظمة أمسكت بمقاليد الحملة لتوجهها نحو محاربة الأدباء والكتاب (إلى حد قد يبلغ معاقبتهم بالسجن أو تصفيتهم جسديا) والحجر على حرية الفكر والإبداع الأدبي والفني. وكأن المجتمع من الهشاشة بحيث ينهار بنيانه بسبب بضع ألفاظ، يعرفها الأطفال، عدت تقليديا نابية.

علما بأن النص الذي استهدفته الحملة المشبوهة هو جزء من رواية نشرت سنة 2012 داخل ليبيا وبإذن من الجهات الرقابية المختصة.

المزايدون والمماحكون أخلاقيا يسددون نحونا سؤالا يعتقدون أنه السيف القاطع، وهو: هل يجرؤ المدافعون عن هذا الكتاب على قراءة هذا المقطع على أبنائهم وبناتهم وأخواتهم؟. إنه، وايم الله، سؤال هزيل ومثير للسخرية. فأنا لا أقرأ على ممن ذكروا أعلاه حتى ابن رشد أو جاك دريدا، ولا أقرأ عليهم كل شيء من الجاحظ أو مقامات الحريري أو أحمد شوقي، وإنما أتخير، لو فعلت، مواضع معينة ذات طرافة خاصة تتناسب مع مستويات فهمهم ومناخ الجلسة. فلماذا عليَّ أن أختار من كتاب يبلغ عدد صفحاته حوالي 550 صفحة الصفحات المشار إليها بالذات؟!.

هذه الحملة ذات خطورة حقيقية على وضع الحركة الثقافية الوطنية الليبية وعلى المثقفين والأدباء والكتاب والفنانين من كل مجال

وقد لا أجد في الكتاب كله ما أرى أنه يستحق أن أقرأه على أبنائي وبناتي رغم خلوه من الألفاظ محل الاحتجاج وما شابهها. أما إذا قرأه أحد أبنائي أو إحدى بناتي بالصدفة فإذا كان يعرف هذه الكلمات فلا ضير فذلك، إذا لا فرق بين أن يسمعها، أو تسمعها، ويتداولها في الشارع وبين أن يقرأها، أو تقرأها، في كتاب. وإذا كان، أو كانت، لا يعرفها، أو لا تعرفها (وهذا أمر مستبعد) فلا ضير أيضا.

هذه الحملة ذات خطورة حقيقية على وضع الحركة الثقافية الوطنية الليبية وعلى المثقفين والأدباء والكتاب والفنانين من كل مجال، وينبغي عدم الاستهانة بها. يجب على المثقفين والأدباء والكتاب والفنانين، الذين يتخذون موقفا مبدئيا مع حرية الفكر والإبداع، حشد قواهم لمواجهة هذا الإرهاب الفكري الذي بدأ، فعلا، يقترن بالإرهاب المادي من خلال التحقيق مع بعض ممن نشرت لهم نصوص في الكتاب المذكور.

باسمي الشخصي، أدعو منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، في ليبيا والمنطقة العربية والعالم، وزملاءنا المثقفين العرب والعالميين إلى التنديد الصريح والحازم بهذه الحملة وإدانتها.

* صُصْ: نداء يطلق على الجمل أو الناقة للتوقف. والمعنى أن من قال صُصْ لجمل، قصد الإبل كلها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات