تعليق على "اختطاف السراج"!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

"يوماً بعد يوم، وباستمرارٍ رتيبٍ متواتر، يتعرضُ المرءُ لمضايقاتٍ في نشاطاته من أفراد أغبياء يظهرون فجاءة، وبشكل غير متوقع في الأماكن غير الملائمة وفي اللحظات غير المُتوقعة".
كارلو م سيبولا- "القوانين الجوهرية للغباء البشري" ترجمة زاهر السالمي

أكتب ما أكتب وأدرك أن ليس من قاريء، أو أنه من رابع المستحيلات أو كما يقال، هذا المستحيل الرابع هو من أكتبُ له، لكن ليس "أن ليس ثمة من قاريء": ليس ما يُلفت النظر في بلدان تعمُها الأمية، وتعلم الجهل، وتُحرض ضد العلم وتُعادي الثقافة، ما يلفت نظري أن يتم التعليق ومناقشة ما لم يُقرأ، أن يتنطع من ليس بقارئ بالتعليق على ما أكتب، هذا حدث معي ومع غيري.

الجمهور الذي يتلقى ما يرسل هو لنفسه دونما علاقة بالمرسل إليه جمهور يوسمه الغباء

إليك أيها المُستحيل الرابع واقعة حدثت الأسبوع الفائت مع مقالي "اختطاف السراج" الذي نُشر يوم الثلاثاء الموافق 22 أغسطس 2017م بـ "بوابة الوسط"، فقد تم التعليق على المقال من مُعلقين عدة باعتباره يتناول واقعة "اختطاف على زيدان رئيس الوزراء الأسبق" وهو الحدث ما وافق نشر المقال، أي افترض المعلقون أن المقال لابد أن يكون قد تناول هذه الحادثة، ولذا وجب التعليق في اتجاه هذا الافتراض، ولم يرَ أي منهم لزوم مطالعة المقال البته وأنشأ تعليقه كما يهوى ودون تعقل ولا تمحيص، وهكذا واقعة غبية تبين أن الجمهور الذي يتلقى ما يرسل هو لنفسه دونما علاقة بالمرسل إليه جمهور يوسمه الغباء، وله فم وليس له أذن ولا عين ولا عقل، جمهور في عطالة وكسل يهمع، لذا فإنه يُنتج نخبتهُ الخاصة التي تتعيش على المشافهة تمضغ الماء وتلوك الهواء.

1-
نمضغ الماء ونلوك الهواء حول المسألة الليبية أيضا حينما لا نضعُ في اعتبارنا أنها مسألة كما مثيلاتها لابد من وضع خطة أو مشروع لحلها، وأن "اتفاق الصخيرات" ومستخرجاته ليس حلا بل أنه بات مشروعا باليا وحتى أنه غدا مشروع "اللا حل"، وعليه فإن ما نلوكه يعقد المسألة ويجعلها معضلة تتفاقم محليا وإقليميا ودوليا وتتحول من نزاع داخلي الى نزاعات خارجية إقليمية ودولية: مصر ضد الجزائر، وتونس ضد الاثنين، والسودان ضد تشاد التي هي ضد كل دول الجوار الليبي، وهلم جرا. على المضمار الدولي فرنسا ضد بريطانيا وإيطاليا ضدهما، وأمريكا تتفرج على روسيا التي ضد الجميع في المسألة الليبية، وهكذا فالمتفرج الوحيد والممثل المطلوب من كل المخرجين، "فائز السراج" بطل مسرحية لا نص لها ولا سيناريو ولا حتى سينوغرافيا، النص المفترض المتوفر "خارطة طريق السراج"، الخارطة التي أولدها السراج الذي قتلها في المهد.

بالخارطة مارس السراج دور الهروب إلى الأمام، ومنها هرب قبل حتى أن نتفكر فيها، كما لو أنه مختطف من نفسه فلا مجال له حتى الافتراض: أن هناك خطة أو تصورا لمُكنة حلٍّ، وهو القائد السياسي المفترض لليبيا، تحول إلى مسافر زاده الهروب والتحول إلى وزير خارجية.

2-
ليبيا ليست تونس لسان حال الليبيين وغسان سلامة، وليست مصر لسان حال السراج والجزائريين، فما ليبيا هذه إذا لم تكن بلادا كالبلاد، وإذا كان الحل العسكري مرفوضا وغير ممكن فما الحل السياسي الممكن؟. لا أحد ليس فقط يقدم إجابة بل يرغب، باستثناء أن "السراج" فائز برئاسة مجلس الرئاسة بحكم "اتفاق الصخيرات"، وأن "عقيلة" فائز برئاسة مجلس النواب بحكم رفض "الاتفاق"، وأن "غسان سلامة" يجد وظيفة دولية معتبرة ومستمرة ما دام الحال كما الأمر العسكري "محلك سر"، أما فوق الجميع فالكاسب الصامت من حالة التسويف مثلث ليون الصخيراتي: "معتيق- السويحلي – باشآغا".

إذا كان الحل العسكري مرفوضا وغير ممكن فما الحل السياسي الممكن؟

لكن هذا التسويف كما يظهر يصبُ في كتر "الحل العسكري" الذي في الحقيقة أنه ليس حلا مستبعدا بل غير ممكن، إذا ما الحل إن كانت ليبيا ليست تونس وليست مصر؟. يبدو أنه السؤال المستبعد حتى الآن خاصة مع تغيب اللاعب الرئيس في مسائل العالم جملة: الولايات المتحدة، هذا الغياب جعل كل اللاعبين يلعبون في بطن ثور.

وهذا الأسبوع دخلت "ميركل" الزعيم الألماني الذي يتماس عن بُعد مع المسألة الليبية، دخلت الملعب كحكم بين الخصوم الأوربيين المتعاركين حول ليبيا "الكعكة المسمومة" كما يزعمون، وحوكمة "ميركل" تبين أن ليبيا ليست دولة فاشلة فحسب بل وتجعل من الدول المهتمة بشأنها كذلك دولا فاشلة في الشأن الليبي متنافسة ولا ريح لها.

أخيرا
يسمى الليبيون عند السودانيين "شعب الله المستعجل"، لكن قادته الجدد بدعم مبعوث دولي كما "غسان سلامة" ورئيس أمريكي كما "ترامب" جعلوه "شعب الله المتمهل" شعاره: لا تسرع ففي العجلة الندامة....

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات