تطور مفهوم الحرية في التداول العربي

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

تشكل الحرية تطلعا تصبو إليه الذات المضطهدة على الصعيد الفردي، وتطمح إليه المجموعات البشرية الواقعة تحت نير الاضطهاد، سواء بسبب حكم محلي استبدادي أو احتلال أجنبي.

بالنسبة إلى الاستخدام الاسلامي الكلاسيكي "المعنى الأساسي لحر هو نقيض عبد. وتستخدم من حين لآخر أيضا بمعنى اجتماعي للدلالة على بعض الإعفاءات المالية وغيرها، وفي أحيان أخرى بمعنى أخلاقي للدلالة على نُبل (من franchise بمعنى امتياز بالفرنسية) الشخصية والسلوك" (1: 148)*. أي أن لفظة حر كانت تستخدم (1: 148) بمعنى قانوني واجتماعي، وليس سياسيا.

فالاستخدام التراثي لكلمة حر يتركز حول السلامة من الشوائب (فالذهب الحر ما خلا قوامه من معادن أخرى. والطين الحر ما لم يخالطه تراب). وعراقة الأصل (فرس حر) وتدل أيضا على الشخص الكريم. كما أنها يمكن أن تتضمن بعدا نفسيا بحيث يكون الحر هو من لا تطيق نفسه الضيم. وبالإجمال: الحر من أي شيء: أفضله. واستخدام (1: 157) الحرية نقيضا للعبودية والشخص الحر في مواجهة العبد أو المستعبد هو المعنى الأصلي للفظة في اللغات الأوربية أيضا.

الحرية كمطلب سياسي في المنطقة العربية جاءت نتيجة الاحتلال الغربي لغالبية البلدان العربية وكان عامله ماديا

وإذن فالمعنى السياسي لكلمة حرية، الذي يجعل منها نقيضا للاستبداد، جديد جدا في الاستعمال العربي. "ففي الفكر السياسي الغربي، نجد أن نقيض الاستبداد هو الحرية. وفي النظام الإسلامي التقليدي، نقيض الاستبداد هو العدالة" (1: 148). وقد انتبه إلى هذا البعد رفاعة رافع الطهطاوي، الذي أقام في باريس في الفترة بين عامي 1826-1831 بصفته شيخا أزهريا مصاحبا لأول بعثة تعليمية مصرية أرسلها محمد على إلى فرنسا، حين قال (1: 157): "عندما يتحدث الفرنسيون عن الحرية، فهم يقصدون ذات الشيء الذي نقصده نحن عندما نتحدث عن العدل".

وهذا يعني أن الحرية كمطلب سياسي في المنطقة العربية جاءت نتيجة الاحتلال الغربي لغالبية البلدان العربية وكان عامله ماديا، أي الوجود الفعلي للمحتل الغربي على الأرض وممارساته الاضطهادية، قبل أن يكون عاملا معنويا، أي تأثرا فكريا.

فنشوء حركات التحرر التي تصدت لمقاومة الاستعمار ماديا، أي عن طريق السلاح، أفرزت خطابا تعبويا يستخدم هذا المعنى السياسي للحرية، أي التحرير (جبهة التحرير الجزائرية، مثلا، تأسست سنة 1954). كما أن تواصلها مع حركات التحرر الأخرى في قارتي أفريقيا وآسيا، واطلاع بعض المثقفين والمفكرين الوطنيين على الفكر الغربي الذي يتناول مسألة الحرية والديموقراطية، عزز هذا المعنى وعمقه.

وبعد إنجاز التحرر والاستقلال (بغض النظر عما إذا كان هذا الاستقلال كاملا أم منقوصا) لم يعد مطلب الحرية في مواجهة الآخر، المستعمر، وإنما أخذ يتجه إلى الداخل. إلى الذات الوطنية التي انقسمت إلى حكام ومحكومين لم يعد يربط بينهم التوافق أو بنود عقد اجتماعي ضمني. صار الحكام مستبدين والمحكومون مضطهدين. وبذا استأنف مطلب الحرية السياسية نشاطه من جديد، وصار مرتبطا، هذه المرة، بمفهوم الديموقراطية.

* يشير الرقم الأول إلى رقم المرجع، ويشير الرقم الثاني إلى رقم الصفحة المأخوذ عنها.
(1) برنارد لويس، ترجمة: أشرف محمد كيلاني، الإيمان والقوة: الدين والسياسة في الشرق الأوسط، دار الكتاب العربي، دمشق القاهرة، 2017.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات