اختطافُ السراج!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1-
المعضلةُ الليبية كبقية مُعضلات الشرق الأوسط على الطاولة حلان لها، لكن على الأرض ليس ثمة حل، أي أن الحل الممكن بالقوة ليس ممكنا بالفعل، الحلان الاعتياديان أحدهما الحل العسكري وثانيهما السياسي، الأول أول من جربهُ تحالفٌ بين الإسلام المسلح ومليشيات مصراته من سموا أنفسهم "فجر ليبيا" الذي سُرعان ما غرُب دون أن يُحقق أهدافه في الاستيلاء على ليبيا، أما الحل الثاني فذهب إليه الكثير من الليبيين ومنهم خاصة القوى المدنية الديمقراطية من نجحوا في آخر انتخابات، وكانوا أساس مجلس النواب ما عُقد في دار السلام "طبرق"، ولم يتمكن من حسم الصراع في صالحه حتى من خلال الحوار الوطني، ما نتج عنه اتفاق الصخيرات وبالتالي المجلس الرئاسي. وتمخض عن هذا الصراع أن انقسمت كل القوى في ليبيا وتغيرت المعطيات، حتى تحصحص الحال أن ليبيا انقسمت إلى هيمنة الحل العسكري في شرقها، فيما مليشيات الغرب ومركزها مصراته هيمنت رافعة شعار الحل السياسي، وبذا غدا الآن المشير خليفة حفتر أيقونة الحل العسكري والمهندس فائز السراج أيقونة الحل السياسي.

المعضلة الليبية أن كلا من الحل العسكري والحل السياسي ممكنان بالقوى وليس بالفعل، رغم أن كلا منهما يلقى الدعم الإقليمي والدولي، لكن هذا الدعم كما يبدو ليس للحسم بل للتسويف، والارتباط بين المعضلة الليبية ومعضلات المنطقة ليس على الطاولة لكنه رغم ذلك لاعبٌ رئيس في اللعبة السياسية في الشرق الأوسط إقليميا ودوليا.

2-
فائز السراج الذي يطرح كرأس حربة الحل السياسي عمل من أجل لقاء خليفة حفتر زعيم الحل العسكري، وتم لقاء غير مُعلن وغير ناجح في القاهرة، ثم أعقبه لقاء أبو ظبي المعلن وشبه الناجح، ومن ثم لقاء باريس الناجح المعلن، وقد تمت اللقاءات في الإقليم ودوليا، وحدث هذا بعد أن انقسم مجلس النواب على نفسه، وعاش موتا غير معلن، وبعد أن فشل "مجلس الرئاسة" وذهبت ريحه.

لقاء باريس الناجح والمعلن في لحظته تمخض عن زيارة فائز السراج أيقونة الحل السياسي إلى روما، حيث تم توقيع اتفاق عسكري لغرض تواجد قوى بحرية إيطالية في المياه الإقليمية الليبية لمواجهة الهجرة، عليه ذهب خليفة حفتر في زيارة موسكو. إن أي مراقب لن يجد تعليلا لذلك - وحبر التوقيع لم يجف- غير أن خريطة طريق السراج التي تم التوقيع عليها في باريس لذر الرماد في العيون، وأن لقاء باريس أفشل اللقاءات الثلاثة، أو بشيء من الشطح أن البيان المُعلن ليس ما اتفق عليه وأن "خريطة طريق السراج" ليس ما تم حولها اللقاء، وأن في الأكمة ما فيها.

3-
أن الحل السياسي مشروع فائز السراج ورأس حربته أو كما يقال، وبيان باريس نجاح لذا الحل وقعه فائز السراج ورجل في قاعة باريس والأخرى في قاعة روما لتوقيع اتفاق عسكري، حالة سريالية ورسالة بل فعل مضاد في لحظتها يفعله السراج ضد نفسه، حيث يبان أن ما حدث عمل مضاد للحل السياسي الذي ليس طرح خليفة حفتر وليس مشروعه. فكيف تسنى له ذلكم؟. وكيف أنه فعل المشهد الثاني في لقطة واحدة مع المشهد الأول؟. فائز يوقع بيد الحل السياسي، والسراج يوقع باليد الثانية اتفاقا عسكريا فمن هو فائز السراج هذا؟. وما موقف "ماكرو"؟. وكيف تفعل روما ذلك؟. أي أنهما يدفعان "خليفة حفتر" لزيارة "موسكو" التي نجحت في توطيد عرش "الأسد" رغم كل شيء، و في توكيد نجاح الحل العسكري.

4-
لا أحد يشك أن الإنسان والسياسي خاصة يعمل بمنطق اللامعقول أحيانا، فجزء من اللعبة السياسية مُقامرة لأن المستقبل غيبٌ في علم الله، هذا هو التفسير المتوفر لذي الحالة فائز السراج المهندس الذي رمى بالبوصلة في عباب بحر المعضلة الليبية كما يبدو، أو أن الرجل الضعيف قد سلم نفسه في خضم الموج المتعالي لخارطة طريق لبحر ظلمات ما تضيئه في هذا البحر كعدمه، وبتعبير أدبي محض بات كمهندس لظلمات ما يراه أنه لا يري شيئا.

حالة الاختطاف التي نعيشها جميعا تجعل الأبواب إن فُتحت تفتح على المجهول، فحالنا في الساعة كخارجين من حرب إرهابية نعيش ما بعد داعش قبل أن تحدث، وكأنما الحل يطرق الأبواب لكن يستعصي علينا النهوض لفتحها.

بيان باريس طرق أو خطوة على خريطة طريق لحل سياسي مازال لم ينضج بعد، أو أنه الصعب الذي يلي الحرب، فالسلام ليس طلقة رصاصة كما هو الحرب في الأخير...
فمن خطف السراج؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات