هُنَيْدةُ بنية بوها

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

لم يكن ذلك اليوم بعيدا عن عيد ميلادك السادس، أو السابع في تلك الأيام لم يكن من متنفس لنا في أغسطس شهر الرطوبة والحر الشديدين، وحالة الطواريء والاستعدادات لعيد الفاتح، سوى نادي الملاحة في بنغازي.

كان التأميم قد طال كل شيء وصارت بنغازي سجنا بحجم مدينة. كُنا شلة، معظمنا عاطل عن العمل، كُنت أول من يأتي إلى شاطئ النادي، أحيانا يسبقني عمك الحاج مصطفى زيو، الذي لم يكن حينها قد حج، وكان قد اشتهر ما بين أصحابه بـ (كلينا). كان حينها موظفا بالمصرف التجاري ولكن من يوم أن سمعوا أنه صاحب بيت الشعر الذي قاله ذات ليلة عن بنك ليبيا وهو: "البنك اللي كان اتقول ايش، ومصدر عيش *** تملح تما يرتع فيه الجيش". من يوم وصلهم هذا البيت -حامي بارد- صار حضوره مثل غيابه،(رقوه) على الرف.

كان التأميم قد طال كل شيء وصارت بنغازي سجنا بحجم مدينة

كان يحضر رفقه أبنائه ، ثم يأتي بقية الرفاق مع أطفالهم المرحوم يوسف الهدار، الذي يناكف (الطفل) عمر الكرامي: "ايش تغديت يا عمر؟" فيجيب في الحال: " بازين". ومن بعده بقليل يقبل المرحوم عبدالحق الورفلي. أما محمد بوزعيك فيظل طوال الوقت "قدمٌ في البحر والأخرى فوق الرمل، وعينه لا تغيب عن أبنائه الذين أصبحوا، الآن، مثل كل أطفال الرفاق: هندسة وطب وتجارة. نخبا متميزة يشار إليها بالبنان بطول بنغازي وعرضها. ثم يصل الكردينال العازب الكابتن مختار اعبيده عند الغروب.

وكأنني أرى الآن هناك، غير بعيد عنا المهندس مبارك الشريف وبجانبه المرحوم عبد الرحمن البوري. وهناك عند مخزن معدات الغوص، أرى الحاج عبدالله عصمان وسيجارته المشتعله على الدوام، يناكف عمك عبدالهادي حمزة (المد) عن الحرايمي السامط. يقول له ملوحا بسبابته: "قلت لك مليون مره الحوت يبي ملح لأن ربك خلقه بلا ملح ليخف وزنه ولا يغطس (كالبيمبو). كثر الملح وأخلطه جيدا مع الكمون والثوم وأنت تتبل. (ما نبيش نعيشلك ديما)" ؛ ويضحك حسين بوليفه مُتشفيا من الّمدْ، وأبنه الطفل إيهاب هناك يُقلد رياضي كمال الأجسام ويبحث هنا وهناك عن علياء التي لم تكن قد وُلدت بعد. وعند باب المطبخ أحمد الفلاح ينبه المرحوم وليد: "لاه.. لاه يا وليد" وعبد القادر التائب يصين مع خالد الفلاح قاربا، وطارق عصمان يصارع (نص بالتن). وها هو غسان وغاده ومي أما مرحى متعلقة برقبة (جنقي) لا تريد أن تمشى على الرمل: "(اللمله) حاميه".

أما أنت يا هند فكنت في كل مكان أمامي وخلفي ومع أخواتك وفي الملعب وفوق سطح المقهى، كنت كما البهجة في كل مكان. هيفاء مع مدربها القدير صلاح النجار يعدها لبطولة السباحة. وهيثم هناك في الغريق ولا أحد يعرف كيف يختفى عقيله.

أما أنت يا هند فكنت في كل مكان أمامي وخلفي ومع أخواتك وفي الملعب وفوق سطح المقهى

في ذلك اليوم جاء صديقنا داوود شاكير رفقة أطفاله. لم يكن أحد من الرفاق قد وصل. كنت أناقش يونس عاشور في الخطأ الذي ارتكبه في (طرح القاقو) الأخير الذي خسرته أنا وكان المفروض أن يخسره المرحوم حسن بن عامر أو المرحوم نوري الشريف، حتى المرحوم مصطفى الفيتوري انتبه للخطأ، بل حتى (مادي) الذي كان حينها مبتدئا (قاقو) لم تعجبه لعبة يونس.لا حول ولا قوة إلاّ بالله، يا (هند) كلهم رحلوا، أصحابي رحلوا وأنا انتظر مع المنتظرين، تعرفين كان الأجدر أن أسميك(هُنَيْدةُ) لأنها تعني مئة ناقة -والمقصود هنا الرزق- أم هند فعشرة فقط!.

ولكن لماذا أحكي لك عن تلك الأيام، بل عن ذلك اليوم تحديدا؟. لأنه- يا هند- يوم لم يغب عني أبدا. فقد قيلت فيه جُملة، كان عليَّ أن أصححها في حينها، ولكن الأمر كان مجرد نكتة لم أنتبه إلى مغبّتها إلاّ بعد سنوات، فإليك ما حدث منذ 34 سنه. وقفت أنت فوق رأسي، أحسست أنك تريدين شيئا ولكنك غادرت مسرعة. سألني داوود: "كم عمرها ؟" أجبته "سبع سنوات، عيد ميلادها نهاية هذا الشهر جاءت قبل الفاتح من سبتمبر بست دقائق" أجابني ببديهيته: "مواليد الفاتح الليبي (مبحبحين)، كان في راسها سيارة" كثيرا".

عدتِ أنت، سألتك: "جيعانه؟" تدخل داوود فتح صندوق مبرد معه. أخرج موزة وقال لك: " خذي. أبوك (ما يحبكش) لأنك ضيعتي عليه سيارة" لا أدري من كان معك من أخوتك وسمعوا ما قاله داوود وناكفوك به كثيرا. تأملت الموزه ونظرت نحوي وهتفت: "باتي .. الراجل عطاني.. عطني " وترددت قليلا ثم قلت: "عطاني خياره ". ضحكنا كثيرا، لأنك لا تعرفين أساسا الموز فأنت لم تريه من قبل". كان ذلك أيام السنوات العجاف.

تلك الحادثة وتعقيب داوود هو ما جعل أخوتك، أو أحدهم يردد أن أباك لا يحبك!. وأنا حينما أعود إلى تلك الأيام أرى نظرة منك منكسرة، ومبالغة حد الإرهاق بسبب محاولاتك القيام بكل شيء على أكمل وجه، في البيت والدراسة، في كل عمل تقومين به. علمت من أمك أن أحدهم قال لك أنني لا أحبك، وأشهد الله أن ذلك باطل الأباطيل. واذكر أنني اخبرتك أن ذلك ليس حقيقة، وأنا أحبك، وأنك غالية علىّ وأنا فخور بك، وأمك تعلم ذلك جيدا.

أشهد لله أني مأخوذ بهمتك التي يصفونها بالحرارة: "هند حرّه "

أشهد لله أني مأخوذ بهمتك التي يصفونها بالحرارة: "هند حرّه ". وأنت فعلا كذلك. مميزة في بيتك في عملك في دراستك في ذكائك. أذكر أني نوهت من بعيد ناصحا لك إلى أمر ما، فهمته على طول وأصبح وكأنه لم يكن. لن أنسى ما حييت وقفتك معي يوم طلبت أمرا لم تترددي وذهبت معي مباشرة وأتممنا الموضوع بتوقيعك. أنا لن أنسى ما حييت تلك الطاعةـ وستظل ماثلة إلى أن يصلك ما تستحقين.

فاعلمي يا هنيده أنك فخرى، ليس لأنني أرى فيك بنت البلاد الحرة، الجدعة، ربة الأسرة المربية الناجحة، فأنت فعلا مجموعة قدرات ومواقف وحنان دافق وصرامة في الحق، وسماحة بنات بنغازي، فوق ذلك بنتي أنا حتى ولو بخستك حقك وعادلتك بعشرة نوق فقط، أنت (هُنَيْدةُ) التي تساوى نوق الدنيا كلها.

محمد عقيلة، يا هنيده، فخور أنك تتصدرين اسمه، وأنا ألف أحبك يافخرى واعتزازي. وكل سنه وانت طيبه يا بنية بوها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات