تكونون أو لا تكونون

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

لا ينبغي أن نستغرب، أو أن نستهين بما يحدث في أي بقعة في العالم. لم يعد ثمة شيء متروك للصدفة أو أنه غير متوقع. أصبحتُ، شخصيا، أميل إلى الذين يؤكدون أن سقوط نظام القذافي لم يكن صدفة أو أنه نتيجة تراكمات وأخطاء جسيمة قام بها النظام نفسه.

دعونا نسأل أنفسنا بهدوء:
- ماذا كان سيحدث لو أن (الناتو) لم يتدخل؟.
- ما هي الدولة المطلة على البحر الأبيض المتوسط التي تنفع لاستيعاب عدد هائل من بشر دفعهم الجوع للهجرة إلى أوروبا التي تثابر على إعادتهم من حيث جاءوا بالوسائل كلها؟.
- من الذي انتبه إلى أهمية موقع ليبيا وقوته كسلاح يشهره وقت ما يشاء في وجه إيطاليا تحديدا؟.
- لماذا حرصت دول الناتو على موافقة جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي قبل مجلس الأمن للتدخل في ليبيا؟.
- لماذا تذرع تدخل الناتو بفكرة حماية المدنيين؟. وإن كان الأمر كذلك، لماذا دُمر السلاح البحري، وهو مرابط في قواعده البحرية وما علاقة قطع بحرية في البحر بحماية المدنيين؟.
- ثم لماذا رفع الناتو يده بمجرد أن قصفوا معمر القذافي ورفاقه؟.
- وأخير؛ لماذا سخرت دول ليست محتاجة وبعيدة عن ليبيا لخرابها وإفساد أي مخطط لتوافق أهلها بعد سقوط النظام؟.

دعونا نعود إلى التاريخ لعلنا نجد في أحداثه ما يعيننا على معرفة الحاضر

حسنا، دعونا نعود إلى التاريخ لعلنا نجد في أحداثه ما يعيننا على معرفة الحاضر. من خلال باب أسبوعي شهير عنوانه (كتاب جديد) قدم لنا الكاتب الراحل كامل زهيري، صاحب الشعار الشهير: "اقرأ كأنك تعيش أبدا، وأكتب كأنك تموت غدا" عددا كبيرا من الكتب جمّعت منها الهيئة المصرية العامة للكتاب مجموعة أسمتها: (سبعون كتابا في كتاب) منه كتاب للكاتب الفرنسي (Tibor Mende) تناوله بمقالة كتبها في روز اليوسف يوم 24. 9. 1956عنوانها "نظرات على مستقبل العالم". أريد أن أقتبس منه بضعة حقائق لأنها ستعيننا كثيرا في معرفة ماذا جرى للعالم، وماذا يجري، الآن، في بلادنا منذ الربيع الذي شردنا، منذ فبراير 2011.

يصف الكاتب الفرنسي (تيبور مند) أن بريطانيا وبلجيكا وهولندا وفرنسا والبرتغال سيطرت في القرن التاسع على مساحة من العالم تقدر 383 مرة ضعف مساحة بلدانهم، فكان ذلك قرن الرجل الأبيض بامتياز. لقد ملكت روسيا القيصرية وبريطانيا وفرنسا أكثر من نصف العالم، فباتت الثروات مشدودة إلى أوروبا فيما ظلت شعوب تلك البلدان تعاني مغبة ذلك الاستعمار. ولكن القرن العشرين سجل حربين عالميتين وانفجرت فيه ثورتان، في روسيا سنة 1917 والصين 1950 فولدتا نظاما جديدا قلب الكثير من الموازين، ثم قامت الثورة الصناعية والاتصالات فصار العالم محكوما إلى حد كبير بمن يملك هذه التقنية؛ وهي الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبح لديها سنة 1930 خمس عشرة شركة رأسمالها يساوى ميزانية بلدن قارة بكاملها ومن مصانعها؛ مصنع (كوربريشن) للصلب الذي يبلغ عماله تعداد سكان النرويج. وانقلبت الموازين، وأصبحت أوروبا الرجل المريض الذي يتمسح بعض من ساسته أمام سلطة الدولار. فقدت أوروبا مركزها كبنك وكمرابٍ، ومُصدّر للعالم أمام أمريكا واليابان والصين، وضاعت أسواقها، وانطلقت الهجرات الشرعية وغير الشرعية تحمل الأفريقيين والأسيويين اللذين نُهبت خيراتهم وتُركوا للفقر والمرض والجهل والبطالة والمجاعات وسط انفجار سكاني رهيب.

بلغ الرعب مداه وانتبهت أوروبا أن أية ثورة حقيقية قريبة تنفجر قريبا منهم ستزيد من تفاقم محنتهم الملونة، فدمروا العراق، وساعدوا في مصائب الربيع العربي، كانت عينهم على هذا البلد الذي تطاول رئيسه على أممهم المتحدة، وعلى دولارهم، بإعلانه أن بلاده سوف تتعامل بالذهب وبالدولار الأفريقي، ولوح بسلاح الهجرات غير الشرعية، فليس من مسئولية بلاده أن تكون الجبهة الأمامية للتصدي لهذه الهجرات، وسواء اتفقنا معه أو لم نتفق، لقد تمكن من تركيع بعض من رؤساء وزاراتهم أمام عدسات تلفزيونات العالم.

أصدر مجلس الأمن حظر الطيران في سماء ليبيا، وانطلق (الناتو) يقصف قدراتها العسكرية البرية والجوية والبحرية؛ نعم البحرية، من أجل حماية المدنيين. وسقط النظام بالكامل وتُركت ليبيا مباشرة بلا دولة، لم يفكروا حتى في حماية حدودها الجنوبية لوقف تدفق الهجرات نحو قارتهم. تدفق الجياع وصار البحر الأبيض أسود بسبب من غرقوا فيه، ومع ذلك لم تتوقف هجراتهم وصار ساحل ليبيا الغربي تحديدا ميناء الانطلاق نحو إيطاليا أو نحو السماء.

أنا لا أريد الخوض لا في الشخصيات المحلية التي وظّفت لهذه المهمة ولا في "الدويلات" الصغيرة

هذا ما حدث ولم يعد لدي ما يقال سوى رأي متواضع، أختصره اليكم كالتالي:
كان المخطط من البداية، هو تمكين ايطاليا من ساحلها الذي كانت تسميه الرابع؛ إيطاليا التي تُعد أكبر المتضررين من هذه الهجرات، بسبب كونها منطقة عبور فقط مثل ليبيا، وهي مخاطرة فقد تصبح إيطاليا وطنا لهم ولا يتقدمون نحو بقية أوروبا. قد يكونون اتفقوا، أو أن إيطاليا بمفردها قررت أن تصبح ليبيا، بدلا منها، وطنا للذين نُهبت خيراتهم، فمساحة ليبيا الشاسعة، وقلة سكانها، وخيراتها الكثيرة، وما اكتشف من أنهار في جوف صحرائها هي المكان المناسب والحل الأمثل لمشكلة الهجرات السوداء إلى أوروبا.

هذه هي الحكاية ببساطة شديدة. وأنا لا أريد الخوض لا في الشخصيات المحلية التي وظّفت لهذه المهمة ولا في "الدويلات" الصغيرة، التي تولت من البداية تنفيذ جزء من المخطط، الذي كانت ستنفذه بسهولة لولا قراءتهم الخاطئة لدولة بعينها، تصدت لهم، قيل عنها أنه لا حرب ولا سلم في الشرق الأوسط من دونها.
لم يعد هناك ما يقال سوى أن نكون أو لا نكون "(هضا) حصانك و(هذي) السدرة".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات