لقاء سان كلو: ساركوزي المبتدأ وماكرون الخبر

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

هل نقل غسان سلامة الباريسي الهوى، الملف الليبي إلى فرنسا؟. أم أن سلامة ذكّر باريس بأن ثمة شعباً على الضفة الأخرى يعيش أزمة خانقة رغم أن فرنسا كانت السند الأول لمغامرته الكبرى بخروجه في وجه أحد أكثر الأنظمة فوق الأرض قمعا. كانت المبتدأ بضربها لقواته التي وصلت مشارف بنغازي في أكثر لحظات الثورة حرجا، والمبتدأ حين كانت العامل الرئيس وراء صدور القرار 1973، والمبتدأ حين كانت أول دولة اعترفت بأول جسم سياسي انبثق عن هذه الثورة، كانت المبتدأ لكن الخبر لم يأت، وظلت الجملة ناقصة، وكأن ليبيا مسؤولية ساركوزي وليس فرنسا.

لقاء باريس العلني الذي لم تغب عنه الفخامة، والذي يأتي كتتمة للقاء أبوظبي، شبه السري، الذي أجهضت نتائجه غزوة براك الشاطي، يشكل أرضية مناسبة لمهمة المندوب الرابع غسان سلامة الذي تفاءل به الليبيون أو معظمهم، عكس السابقين.

المشير حفتر يتمتع بشبه توافق وطني محلي أفضى إلى اعتراف دولي بأهمية دوره في حل الأزمة الليبية، ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج يتمتع بتوافق دولي أفضى إلى شبه تسليم محلي بأهمية دوره. المشير حفتر ينحدر من عائلة وطنية مارست دورها الوطني إبان الغزو الإيطالي عبر المقاومة المسلحة. والسراج ينحدر من عائلة وطنية مارست دورها في النضال السياسي إبان الغزو وبعده عبر النضال السياسي السلمي، وهذا الدوران التاريخيان اللذان مارسهما الكثير من الوطنيين الليبيين أفضيا في النهاية إلى استقلال ليبيا والشروع في بناء دولة القانون فيها. تلك الدولة التي بُنيت على أسس رئيسية لبناء الدولة الحديثة والتي أجهضت بانقلاب عسكري أحل الشعارات والتغني بالموت بدل الخطط والعمل من أجل الحياة.

لذلك لا خيار لليبيين، ولا يمكن الحديث عن دولة ــ هي استمرار لتلك الدولة التي حملت ثورة فبراير منذ أول يوم علمها وغنت نشيدها الوطني ــ إلا باستعادة الدولة المدنية الدستورية التي تبنى على جيش قوي ذي عقيدة وطنية ، دوره أن يحمي الوطن ويحمي مساره الديمقراطي الذي ضحى من أجله الكثيرون أثناء انتفاضة فبراير، قبل أن تسرق الأجندات المشبوهة وعملاؤها من الداخل هذا الحلم الكبير بالدولة المدنية وبصناديق الاقتراع التي كنا نتفرج عليها في العالم وكأننا لسنا من هذا الكوكب. فلو كان القذافي سمع نصيحة بعض زملائه من مجلس قيادة الثورة، آنذاك، وسلم السلطة لحكومة مدنية كما وعدهم في خطاب زوارة، لدخل التاريخ من أوسع أبوابه، ولكان الآن تمثاله منتصبا في قلب طرابلس، ولا كان من الممكن أن يصل أحد أبنائه إلى كرسي الرئاسة عن طريق الانتخابات الحرة، ولما انتهى هذه النهاية البشعة وانضم كغيره من الطغاة إلى مزبلة التاريخ.

ما ورد في بيان لقاء باريس ليس جديدا، وسبق أن ورد في مبادرات أخرى، والكثيرون يقولون ذلك كأنه تحصيل حاصل، لكن المهم هو السياق المختلف الذي ورد فيه هذا اللقاء (فرنسا، السراج، حفتر، سلامة في بداية مهمته، ومؤتمر صحفي رسمي)، والمهم هو أن السراج أبوظبي ليس نفسه السراج باريس بعد أن وشت الأحداث الأخيرة بإمكانية تحكمه في طرابلس بعد أن انضوت تحت سلطته العديد من القوى التي أحست أنها في حاجة لمظلة تحميها بعد تغير موازين القوى على الأرض لصالح الجيش، وهي القوى التي أشار بيان باريس إلى إمكانية دمجها في المؤسسات العسكرية والأمنية، والذي بالتأكيد لا يشمل المجموعات الإرهابية التي استخدمت الدين وسيلة لمحاولة وصولها إلى السلطة.

من جانب آخر، من المفترض أن ينهي هذا اللقاء وبيانه حالة الانقسام في مجلس النواب التي كان سببها المخاوف حيال الجيش وقياداته، ومن المفترض أن يعقد مجلس النواب جلساته بنصاب قانوني ليركز على تضمين اتفاق الصخيرات في الإعلان الدستوري بعد التشاور حول التعديلات وفق المتغيرات الجديدة على الأرض وفي مواقف المجتمع الدولي، فليبيا في هذا الظرف العصيب؛ الذي يدفع ثمنه الناس فقط ممن غدوا لا يملكون قوت يومهم، تحتاج إلى نوع من التفاوض الشجاع، والشجاعة دائما تكمن في إحلال السلام وليس في إشعال المزيد من الحروب. ولمن يتحدثون باسم "الشعب" أقول لم يعد في أدبيات السياسة الحديثة شيء اسمه "الشعب" لأن هذا المفهوم تم تفريغه في مصطلح "الناخبين" ولا أحد يمكنه معرفة رأي ما يسميه الشعب سوى عبر أصوات الناخبين في صناديق الاقتراع أو الاستفتاء.

الأهم في المبادرة هو الدعوة إلى انتخابات رئاسية ونيابية في أقرب وقت، ومن هذا المنطلق لابد لجهد بعثة الأمم المتحدة أن يركز على تهيئة المناخ الأمني الملائم لإقامة هذه الانتخابات وبإشرافها، وبالتهديد المباشر من مجلس الأمن لكل من يحاول عرقلتها أو يفكر في الانقلاب عليها إذا لم تلب مصالحه كما حدث سابقا. لكون ليبيا تحت البند السابع لابد أن يكون لمنظمة الأمم المتحدة دور أقوى وأكثر صرامة، وحماية المدنيين التي بموجبها صدر قرار مجلس الأمن لا تعني حمايتهم من القصف فقط، ولكن من الإرهاب والخوف ومن الفاقة والجوع ومن الأمراض ومن كل ما أصبح يهدد أمنهم. ولابد من برنامج للمصالحة الوطنية ــ يصاحب الترتيبات الأمنية يرعاه حكماء وأعيان ومشايخ ليبيا ــ تشرف عليه البعثة الأممية وتوفر له الدعم اللوجستي، فالظرف الآن مهيأ للمصالحة أكثر من أي وقت مضى أو ربما وقت قادم.

وكما ذكرتُ، إذا كانت قوة حفتر تأتي من توافق وطني ملحوظ فإن قوة السراج تأتي من توافق دولي، والتوافقان ضروريان للخروج من الأزمة كما علمتنا دروس التاريخ القريبة، فمعاً سيشكلان نوعا من التوافق الوطني المدعوم دوليا حتى تضع ليبيا قدميها على الطريق من جديد عبر الانتخابات القادمة، وحينها ستكون صناديق الاقتراع هي الخيار الفاصل الذي سيختار عبره الليبيون من يقودون المرحلة القادمة بعد أن أدرك الناخب الليبي الدرس، وبعد أن أصبحت القوى الإقليمية الداعمة في الظلام لتقويض المسار السياسي الليبي تحت بؤرة الضوء الفاضح.

لن يعرقل هذا الخيار وهذا المسار سوى المستفيدين من الأزمة والانقسام، أو من يريدون الوصول إلى السلطة بطريق آخر غير صناديق الاقتراع التي كانت الحلم الأسمى لثورة فبراير. هذا الحلم الذي دفع الكثير من الشباب دماءهم ثمنا له، وقد تركوا وصيتهم مكتوبة على الجدران وعلى بنادقهم وآلياتهم (ليبيا دولة مدنية واحدة) وواصل هذا الحلم الذي كاد أن يجهض شباب الكرامة الذين ضحوا بأرواحهم من أجل أن لا تضيع دماء الشهداء الذين سبقوهم هباء. ولا هباء منثورًا سوى من أرادوا الشر لليبيا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات