فتوى محنطة

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

يوما إثر آخر يزداد تجاوز "الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية" التابعة إلى الحكومة المؤقتة اختصاصاتِها، وتعديها على شؤون ليست من شؤونها وتغولها على المجتمع. فمن تكفير الكتاب والأدباء ومصادرة الكتب وإرهاب المتبنين حريةَ التفكير، إلى الدخول في ميدان آخر هو تكفير مذهب إسلامي عريق معروف ظهر قبل المذهب الوهابي، الذي يهيمن أتباعه الآن على الهيئة، بقرون عديدة، هو المذهب الإباضي الذي يعتنقه الليبيون الأمازيغ.

الفتوى مثبتة على الموقع الرسمي للهيئة وصادرة عن اللجنة العليا للإفتاء بها، وجاءت ردا على سؤال أحد المواطنين بشأن صحة الصلاة خلف إمام يجهر بأنه إباضي، وكيفية التعامل معه "من ناحية السلام والمعاملات ام نقطع حتى السلام عليه؟"!.

هذه فتوى خارج العقل وخارج التاريخ إنها فتوى محنطة تم استخراجها من متحف التاريخ مثلما يتم إخراج مومياء

وكان نص الفتوى: "الإباضية فرقة منحرفة ضالة، وهم من الباطنية الخوارج، وعندهم عقائد كفرية، كعقيدتهم بأن القرآن مخلوق وعقيدتهم في إنكار الرؤية، فلا يُصلّى خلفهم ولا كرامة."!.
https://www.aifta.net/archives/421

لن نناقش هنا الخلط، المتعمد أو الناشيء عن عدم معرفة، كالخلط بين الباطنية والخوارج. لكن ينبغي القول أن هذه فتوى تعود بنا قرونا إلى الوراء، وتعد تحريضا واضحا لا لبس فيه على الإتيان على ما تبقى من "السلم الاجتماعي" في ليبيا بإثارتها للتنافر والنزاع المذهبي.

هذه فتوى خارج العقل وخارج التاريخ. إنها فتوى محنطة تم استخراجها من متحف التاريخ مثلما يتم إخراج مومياء من أجل إعادة الحياة إليها. ومصدروها لا يدركون أن " الدين عموما، أي دين، وكذلك الفكر، لا يمكن احتكاره أو وقفه من قبل فئة معينة. فباقتحام الدين الحياةَ وسيره في التاريخ وانتشاره في الأرض وانقسامه إلى طوائف ومذاهب وفرق، يكون قد أفلت من الاحتكار وأصبح من حق الجميع أن يخوضوا فيه. ومعيار الحكم على هذا الخوض ليس هو الإيمان والكفر، لأنه في هذه الحالة سيكفر الجميعُ الجميعَ."*.

فبتكفير الوهابية للإباضية والتحريض الضمني ضد أتباعها قد تلجأ الأخيرة إلى تكفير مماثل، وبذلك ندخل في مسلسل جديد يعصف بمجتمعنا برمته. التكفير تشدد، والتشدد عتبة التطرف والإرهاب. لذا ينبغي تجريم فتاوى التكفير قانونيا باعتبارها تحريضا على القتل.

أنا أتمنى من المراجع الدينية الإباضية ، في ليبيا وغيرها من البلدان الأخرى، عدم التورط في إصدار فتوى مماثلة. أريد أن أختم هذا المقال بمطالبة "الحكومات الليبية" في كل ليبيا (وبالذات الحكومة المؤقتة التي تتبعها الهيئة مصدرة الفتوى) ومجلس النواب وقيادة الجيش الوطني إعلان رأي صريح لا لبس فيه من سلوك الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية التي أصبحت تضع نفسها فوق الدولة ومؤسساتها.

* عمر أبو القاسم الككلي. وقف الدين. http://alwasat.ly/ar/news/kottab/125716/

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات