المعركة المركبة للجيش الليبي

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

تربط الكثير من الأخبار والتحليلات والتعليقات السياسية في وسائل الإعلام، العربية خصوصا، وبعض الوسائل المحلية، معركة الكرامة بعملية تحرير بنغازي فقط، وكان التركيز في غالبه على محيط بنغازي في بنينة والقوارشة وداخل أحيائها، ورغم أن المعركة بدأت من هنا وانطلقت من هذه الغاية الأساسية بما تعنيه بنغازي من ثقل في أية معادلة سياسية أو أمنية في ليبيا، حيث كانت في البداية هبّة من العسكريين للدفاع عن أنفسهم بعدما تعرض أكثر من 500 عسكريا من النخبة، إضافة للكثير من التكنوقراط المدني، للاغتيالات الممنهجة، إلا أن هذه المعركة اتخذت ثلاثة مسارات منذ بدايتها: مسار تحريري، ومسار دفاعي، ومسار وقائي.

تمثل المسار التحريري في حرب بنغازي ومحيطها التي كانت تحت سيطرة الميليشيات المدعومة محليا من قبل جماعة الأخوان والمقاتلة، وإقليميا، من قبل تركيا وقطر والسودان، وسيطرة الدروع الجماعات المتطرفة كأجنحة مسلحة لهذه التنظيمات المتطرفة.

المسار الدفاعي تمثل في معارك الهلال النفطي خصوصا الذي شكل هدفا رئيسيا لهذه الأجندة الإقليمية التي سبق ذكرها مستخدمة عملاءها في الداخل.

أما المسار الوقائي فعمل على حماية بقية المدن والبلدات في الشرق الليبي من تمدد هذه المجموعات الإرهابية التي تم نشرها في مدن كثيرة إبان مرحلة المؤتمر الوطني، حيث كانت الخلايا النائمة المدعومة من الأطراف السابقة في انتظار السيطرة التامة على بنغازي لتسيطر على مدن الشرق الأخرى، مثل البيضاء والقبة وطبرق والمرج، وما يحيط بها من قرى، وقد كان أعضاء من هذه التنظيمات يتحركون بحرية، قبل بداية معركة الكرامة، ويزورون الكثير من القرى والمدن في الجبل الأخضر لاستقطاب الشباب وإغرائهم بالمال. ولم تنجح هذه السيطرة إلا في مدينة درنة التي ركز عليها الأخوان والجماعة المقاتلة منذ البداية، وفي أجدابيا التي تغولت فيها جماعة أنصار الشريعة. ولعل ما ميز هاتين المدينتين اختلافهما عن باقي المدن منذ الثمانينيات والتسعينيات حيث شهدتا أكثر الصدامات بين الأجهزة الأمنية إبان النظام السابق والجماعات المتطرفة، والتي بعضها عاد من المنفى أو خرج من السجن ليعيد تنظيم هذه الجماعات في هذه المدن. وقد استطاع الجيش القبض على أعداد غير بسيطة من الخلايا النائمة في العديد من المدن والقرى التي كانت تنتظر الإشارة من داعميها والانتهاء من السيطرة على بنغازي لتحكم قبضتها على الشرق الليبي كله.

شكل هذا العمل الوقائي مسارا مهما استطاع أن يحمي مساحة شاسعة تمتد من الهلال النفطي غربا إلى امساعد شرقا إلى الكفرة جنوبا، حيث نعرف جميعا أنه في بداية الإعلان عن معركة الكرامة كانت الأعمال الإرهابية والتفجيرات قد طالت البيضاء وطبرق والقبة، كما أن الجماعات الإرهابية كانت تهاجم قوات الكرامة في بوابة النوار على بعد 70 كم من درنة، وتقصف مطار الأبرق بالصواريخ مراراً، ويرجع ذلك لكون المعركة كانت تتضمن مسارا ضمنياً رابعا وهو إعادة بناء الجيش الليبي ودعم كوادره عبر استدعاء العسكريين السابقين وتخريج دفعات سريعة من أجل تفعيل المعركة الوقائية بتكثيف الحواجز الأمنية ونشر القوة العسكرية، واقتصر في البداية وجود هذه المجموعات على المساحة الممتدة ساحليا من رأس الهلال إلى منطقة الفتائح والتي سيطر عليها تنظيم داعش بعد مبايعته للبغدادي، باستثناء كرسة التي تقع في منتصف هذه المنطقة، والتي بسبب تجانسها الاجتماعي وتماسكها ظلت خارج السيطرة بمساجدها وخطبائها وحياتها اليومية وحتى بمحلات التبغ التي استمرت فيها، وقد عايشتُ هذا الواقع من خلال سكني في قرية كرسة، وبعد أن عزز الجيش كوادره بمزيد من الخريجين والملتحقين من جنوده والمتطوعين استطاع أن يضيق الخناق على هذه المجموعات التي حوصرت في درنة وسببت لسكانها الكثير من المتاعب، وتجنبا لمعركة درنة بما تشكله هذه المدينة من قيمة في وجدان المحيط والليبيين عموما أعطيت فرصة للمفاوضات من أجل تجنيبها معارك الشوارع وما قد يترتب عنها من دمار ونزوح، لكن هذه الجهود فشلت بسبب إصرار ممولي هذه المجموعات من تنظيمات إرهابية في طرابلس ومصراتة الذين كانوا يرسلون المال والسلاح إليها، والذين سيتخلون عن هذه المجموعات المحاصرة مثلما تخلوا عن مجموعاتهم في قنفودة وإجدابيا وفي الجفرة، وأخيرا في منطقتي سوق الحوت والصابري، اللتين بتحريرهما لم تبق في الشرق منطقة خارج سيطرة الشرعية سوى مدينة درنة التي يقود نشازها مجموعة من الأفاقين في بعض مدن الغرب الليبي جاهزة جوازات سفرهم وحساباتهم بالملايين في عواصم العالم للخروج في أية لحظة، تاركين من تورطوا في هذه المواجهة لمصيرهم.

بهذه المسارات استطاع الجيش بقياداته المنبثقة من أعلى سلطة تشريعية انتخبها الليبيون أن يحبط مخططا جهنميا كان سيحيل ليبيا إلى أفغانستان أخرى، تحت قبضة سلطة تحمل نفس عقيدة ومنهج طالبان، باعتبار طبيعة الليبيين التي تزدري المزايدة عليهم في الدين، ما سيجعل الصدام مستمرا والقتل والذبح والتفجيرات على أشدها مثل العقود التي شهدتها أفغانستان.

جنب الجيش الوطني بتضحياته الكبرى الناس ويلات هذا المخطط الذي كان ينفذه ليبيون، سموا أنفسهم ثواراً، بالنيابة عن قوى إقليمية اخترقت الربيع الليبي منذ بدايته.

وسبق أن كتبت أن معركة الجيش القادمة من المفترض أن تسمى معركة إعادة المسار الديمقراطي، أو إعادة الشرعية، التي تم التلاعب بها وتوقفت بعد انتخابات 7 يوليو 2012، من أجل الحفاظ على عقيدة الجيش الوطنية ومهمته المقدسة وابتعاده عن اللعبة السياسية، ومن أجل أن يكون حصنا لتأمين الاستحقاقات السياسية المقبلة من انتخابات نيابية ورئاسية واستفتاء على الدستور وغيرها. فبدون جيش وأجهزة أمنية تحمي الوطن والمواطن لا إمكانية لأي استمرارية للمسار الذي اختاره الليبيون لدولتهم المدنية، وأذهلوا في أول انتخابات المراقبين الدوليين قبل أن يتلاعب المؤتمر الوطني الذي تم شراؤه من قبل أجندات خارجية بمصير وخيارات الليبيين؛ الذين نبهتهم هذه الأحداث لأن لا يلدغوا من الجحر نفسه مرتين.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات