النادي الأهلي العريق وسقوط النظام

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

من الكتب الأجنبية الكثيرة التي صدرت بعد قيام ثورة 17 فبراير، والتي قمنا بترجمتها أو بتقديم قراءات وتفسيرات لما ورد بها، كتاب ذو عنوان طويل للغاية: "The 2011 Libyan Uprisings and the struggle for the Post-Qadhafi future". واختصرناه: "الصراع من أجل مستقبل ليبيا ما بعد القذافي".

لقد تمحورت وجهات نظرنا في قراءاتنا لهذا الكتاب حول نقاط رأينا من واجبنا توضيحها والتعليق عليها بوجهة نظر، نعتقد أنها مفيدة للقاريء المهتم باعتبار أنني شاهد عيان وكان لي رأي من البداية منذ ليلة 15 فبراير خلاصته: "أننا لسنا مؤهلين للقيام بثورة بسبب عدم وجود كوادر سياسية وتنظيمية، ناهيك عن برنامج يقبله الليبيون كافة". هذا الرأي وثقه المرحوم إدريس المسماري في كتابه سيرة ثورة فبراير، وإدريس هو من القلة التي تظاهرت ليلة 15 فبراير، وهو الذي اتصل بقناة الجزيرة من خلال أصدقائه وهو الناشر أحمد هاشم، صاحب دار ميريت وأعلن ما يحدث في بنغازي. معلنا قيام ثورة تهدف إلى إسقاط النظام "وبالتالي كنت متابعا للأحداث بتفصيلها شاهدا على من التحقوا مبكرا "بالانتفاضة". منتبها للنشطاء ممن كان لهم تنظيم واضح.

يقول الكتاب في مستهل فصله الأول: وأحد التفسيرات لتوقيت انهيار الأنظمة القديمة كان كاستجابة مباشرة لمحاولاتهم لإصلاح تلك النظم الاقتصادية والاجتماعية الجامدة والحد من القمع، وقيامهم تدريجيا بمنح الناس المزيد من الحرية."موردا عددا من الأمثلة على ذلك مستشهدا بالثورة الفرنسية والبلشفية، وكذلك الثورة الإيرانية، مبينا أن "السماح بحرية الرأي وتوسيع الخطاب السياسي يزيد من مؤشرات سخط العامة". مشيرا إلى أن الاتحاد السوفيتي ما كان لينهار لولا مشروع (جورباتشوف) لفكرة إعادة البناء والشفافية. بل كان ليستمر عقودا.

السماح بحرية الرأي وتوسيع الخطاب السياسي يزيد من مؤشرات سخط العامة

معللا أن ما قدمه حكام الأمثلة السابقة من لين وتنازل عزز زيادة الانفتاح والمناقشة السياسية، مما سمح بانتشار غير منضبط للمعلومات، الأمر الذي سهل عمل التنظيمات السرية ضد النظام القديم. ثم يستطرد قائلا "أن محاولات مبارك، بن علي، والقذافي لم تكن كلية الجدية للتخلي عن الهيمنة على المجال العام واستبدال النظم الاقتصادية المتوافقة سهلت الإطاحة بهم" وعلى الرغم من أن سياسة (الانفتاح ) هذه، التي هي في الواقع (إصلاحات محدودة لما هو قائم في السوق) قد تكون قد جلبت المزيد من الموارد إلى خزائن النظام، إلاّ أنها أفرغت الأنظمة القديمة من أي بادرة من الشرعية الأيديولوجية أو الاتساق في حين أنها خلقت طرقا جديدة خطيرة مكنت المواطنين من الوصول إلى المعلومات.

وفي هذا الفراغ الأيديولوجي، سهلت الأسواق ليس تدفق السلع فقط، بل أيضا الأفكار الجديدة وزيادة التوقعات. وفي شمال أفريقيا، اعتمد كل بلد تدريجيا الخطاب البلاغي ورفاهية الأسواق الحرة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، ولكن بطريقة حرفت تلك المثل وغيرت القليل من واقع حياة الناس. ولكن في هذه الومضات، أثيرت آمال حقيقية في الإصلاح السياسي وحرية التعبير والكرامة الإنسانية. لم يكن هناك ولا يمكن أن يكون ثمة "ربيع عربي" في كوريا الشمالية التي يتسلط عليها كيم جونغ، أو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في عهد ستالين، أو ليبيا القذافي في 1980.

و"إن عمليات الإصلاح" مثلما يقول الكتاب: "التي استمرت من سنة 2003 إلى 2010 من تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، أطباق الأقمار الصناعية، عودة المتعلمين الليبيين من الشتات، وارتفاع كبير في مستويات المعيشة بين الطبقات المتوسطة الحضرية؛ رفع سقف التوقعات، والتواصل مع العالم الخارجي. ثم يبرز تفشي الفساد، وخاصة بين أبناء القذافي، مما جعل الناس يسخرون من فكر القذافي ودولة الجماهير (العقائدية). مستخلصا أن الدولة الليبية كانت دولة لصوص تديرها عائلة مختلة وغير منتظمة. وهو بذلك يشير إلى أنه من دون تقرب ليبيا من الغرب و مواصلة عملية الإصلاح الزائفة التي رافقت هذا التقارب، فإنه من المرجح أن القذافي كان سيظل باقيا في الحكم حتى ينهيه موت طبيعي".

وقد يكون كل ما ذكره الكاتب، له على نحو ما، بعض الحقيقة، وقد يكون ثمة مبالغة في بعضه، ولكن ما غاب عن الكاتب من أنه لولا الشرق، وبنغازي تحديدا ما كانت الانتفاضة لتشتعل، لسبب بسيط جدا هو التهميش المتعمد لشرق ليبيا كله وبنغازي تحديدا، ناهيك عن تعمد النظام لكسر كبرياء بنغازي، التي لم يفهم أن سببه بالدرجة الأولى أنها بوتقة ليبيا كلها بمعني أن المدن والقبائل الليبية متواجدة وبالقوة نفسها مع انتماء غير عادي إلى المكان إلى بنغازي. لقد أخطأ النظام في نقطتين هامتين الأولى إصراره على تكليف "راهبة ثورية" بتولي حكم بنغازي، وهي التي تعلقت بالمرحوم الشهيد حامد الشويهدي بعدما نفذت عمليه (خنقه) وليس شنقه أمام نسيج بنغازي في المدينة الرياضية وفي شهر رمضان المبارك، أما الثانية فهي بدء "الانتفاضة" بعث إلى بنغازي للتهدئة ابنه الذي جاء يوما إلى أقدم ناد رياضي له تاريخ في العمل المدني والسياسي وركب جرافة وهده أمام أعين مشجعي النادي، وهم من دون مبالغة السواد الأعظم من مشجعي النوادي في بنغازي، كان الهدم أمام أنظار الشباب وكأنه يهدم آمالهم وانتماءهم. وتم ذلك جهارا نهارا فلم ينسوا ذلك أبدا.

وفي تقديري لو أن أحدا غير الساعدي، لكان الأمر قد سوى بالتأكيد فلا أحد كان يخطط لثورة حقيقية وذلك باعتبار من اعتبروا أول من قاد الشباب. وبالطبع كان هناك تنظيم مرتبط بخارج ليبيا مثلما قال الكاتب أمسك بزمام المبادرة ولم يعلن عن نفسه إلى أن تجمع قادتهم وأعلنوا رسميا عنهم، ولقد حضرت حفل هذا الإعلان ورأيت من كانوا يتحركون أثناء إرهاصات الانتفاضة ولم يخطر ببالي أنهم بيادق لتنظيم عالمي، ولم يطل الأمر حتى رأيت الكثير منهم يحملون حقائب وزارية في حكومة السيد محمود جبريل.

فماذا أضيف لهذه الحقيقية أكثر من أن نادي أهلي بنغازي، هو مؤسسة رياضية، ولكنها انبثقت في بدايتها من حراك مدني، بالتالي أرى أنه مؤسسة مدنية قائمة بالفعل وبمقدورها أن تقدم إلى بنغازي، من بعد تحررها الكثير، لأن أمنا بنغازي تحتاج بالفعل إلى حراك ونشاط مدني في شتى المجالات. وجماهير الأهلي لقادرة بالفعل على القيام بهذا الدور الوطني الكبير.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات