مجرد ذكريات: حزب التحرير والإضراب

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1 -

وضعُنا ساءَ كسُجناء رأي. جُوعنا وصابَ البردُ أجسادنا، فالملابس الخاصة بالسجن العسكري قطعة واحدة صيفية لا غيار لها. مطلع ثمانينات القرن الماضي الهزائم التي لحقت بالقذافي في تشاد انعكست علينا: المهزوم طبق نظريته عن الحمار "المربوط" الذي لابد من ضربه ليخاف الحمار "المطلوق". عندها شرعنا في إضراب ووضعنا سقفاً عاليا لمطالبنا منها ضرورة زيارة الطبيب، توفير الخبز، قبلها طالبنا بالإفراج، السماح بالزيارة، الحصول على الكتب وجهاز راديو. حصل توافق بين الجماعات، الأفراد السجناء، لكن حزب التحرير الإسلامي أفتى أميره بأن الإضراب "حرام زقوم"، كنا نبغي الإجماع حتى يقوى الإضراب، لهذا أفتينا لأمير الجماعة بأن لا يُضرب، لكن فقط يمتنع عن استلام الطعام حين يجلبه السجانون في كل الوجبات، ووفرنا لهم كل ما لدينا من بقايا ما أمكن تخزينه كي يأكلوا، هكذا تحقق الإضراب.

نتمشى عادة في ممر القسم الرابع بالسجن حين يُخرجوننا من الزنازين وفيها حين لا يخرجوننا، في الممشى جاء بجانبي أحدهم من "حزب التحرير الإسلامي" يُحدثني موكداً أن الإضراب حرام بل كُفر لأنه شروعٌ في الانتحار، لم يكف عن تكرار هذه الجملة وإن بصيغٍ مختلفة، قلت مقاطعا: إني مضرب عن الطعام من يومين وأنت مُضرب ومخادع أيضا، إن كنت تأكل فإنك تمارس الخداع، الله أعلم ما تُظهر وما تُسر، وضع سبابته في وجهي صارخا: أنت تؤمن بالله؟. قال سؤاله بلهجة استنكارية تكفيرية. لم يكن مُثقفا ولا مُتفكرا في الدين وإن يرى نفسه فقيها فإن اعتقاديته الجازمة جعلته يدرك أني جاحدٌ لمعتقده، وهو متماهٍ ومعتقده وعليه فإني أجحد وجوده فأراد أن يبادر بتكفيري. لقد كان يتلقى فاعليته بل وجوده من أميرهم، ومن هم على خلاف ذلك: لا يؤمنون بما يؤمن به بالتالي هم عقبة في طريق تحقيق وجوده أو على الأقل في الهيمنة والسيطرة لأجل تحقيق هذا الوجود، الذي السلطة هدف لتحقيقه، الذي هو هدف غاية يبرر كل وسيلة وخير وسيلة الإقصاء بالتكفير، إن الدين وسيلة مقدسة تبرر بتر كل ما عداها، لسان حال محدثي يومها في السجن وفي حالة إضراب.

2-

كان القذافي حينها يرفع شعار: "صراع وجود لا صراع حدود" يعني الصراع مع "دولة الصهاينة" التي تبرر وتمنح غطاء: أن الصراع صراع ديني، القذافي الذي تمظهر كعسكري قومي يبرر صراعه مع عدوه في الجوهر بأنه صراع ديني.

عندما أفتي حزب التحرير الإسلامي بتكفيره لم يعللوا ذلك بأنهم دعوه بدخول حزبهم وأنه رفض، لم يكشفوا عن أنهم وهو في صراع على السلطة، وحينها كل منهما يسم الصراع بالمقدس وبذا فهما في الجوهر واحد. حين كان أعضاء هذا الحزب المتطرف في قفص المحكمة وجهوا إلى القذافي دعوتهم للانضواء في حزبهم، قبل ذلك كان هو يعتبر "من تحزب خان"، عليه أصدر الحكم بالمؤبد على كل أفراد الحزب وبدورهم كفروه، قد يكون سرد حادثة جانبية يوضح حالة الكوميديا السوداء التي فيها البلاد والعباد: كان هناك عضو في حزب التحرير لم يُقبض عليه لأسباب الفوضى المحض المصابة بها البلاد عهد القذافي وبالتالي جهاز أمنه، ذلك العضو حُكم عليه غيابيا بالمؤبد رغم ذلك بقي طليقا لسنوات حتى أنه - كما يبدو نسي كل ما يتعلق بالحزب والقضية والحكم- دخل في التصعيد الشعبي حسبما نظرية القذافي السياسية لغرض أن يُمسي أمين المؤتمر الشعبي لمنطقته، عندها فقط تنبه خصم له للقضية والحكم فوشى به فقُبض عليه وجُلب إلى السجن، أي أنهم غصبا أعادوه مرةً ثانية لعضوية الحزب، ومن المفارقات الأخرى لهذا العضو المغصوب أنه أعلن تحريم مشاهدة التلفزيون، لكن بين الحين والآخر يدعي أنه وجد نفسه في زنزانة أخرى بها جهاز تلفزيون فشاهدهُ في حكم المُضطر، ويشاهد عادة المسلسلات والأغاني النسائية خاصة المطربة سميرة توفيق.

3-

السجن "المفرخة"، والسجان القذافي وأطروحاته هما المغذي لهذه "المفرخة"، أما حزب التحرير والقذافي فهما وجهان لعملة واحدة، لهذا اعتبرهم "زنادقة" كما اعتبروه "كافرا"، وكما دعوه إلى الاستتابة والانضواء في الحزب، دعاهم إلى المراجعة والانضواء في لجانه الثورية التي البعض منها فعلا انضووا في الحزب الذي البعض منه بات عضوا في لجانه الثورية، كالذي طمع أن يكون أمين المؤتمر الشعبي لمنطقته.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات