ركن العامرية... الاستحقاق المقدس والسيولة الغائبة

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

وضعت أليس ذات الثماني سنوات يديها تحت ذقنها الدقيق مطلّة على جمع من فوهة بركان ثائر. كان قد سكنه أناس وأسسوا فيه بلدا من نوع ما. تمددت أليس على بطنها الصغير وأخذت تتابع ما هم فيه مما بدا لها وهمًا كأنه نقاشًا.

كان أحدهم يقول "مبارك عليكم هذا الاستحقاق الوطني يا سادة" لتكتشف أليس ولدهشتها أنه وبموجب هذا الاستحقاق المقدس قد تم الاستغناء عن غالبية المواطنين بالحجر عليهم، ورميهم جميعًا في دار العزل السياسي. العويصة أن أحدهم كان قد تمكن من رفع رأسه بالصدفة إلى أعلى، فانتهزت أليس الفرصة ولوحت بيدها للتنبيه من مغبة هذا الاستحقاق المقدس، لكنه غمز طرفه وكشر عن أسنانه ولم تتبين أليس أكانت تلك ابتسامة أم تراها غير ذلك.

ثم تابعت أليس ما هو أبهى وأنكى فقد رأتهم وقد عصبوا جميعًا رؤوسهم بعصابة بيضاء حتى ظهروا كالعصابة، وباتوا في حالة من الهذيان والتمادي المصحوب بالتماهي المجتمعي الحارق، ودون أي تبيّن أو تبيّان وبلا توضيح أو تفصيل، كان لا فرق لديهم بين ربا وفائدة وقد نسوا أو تناسوا أن الربا حصرًا ممنوع بحكم القانون في كل البلاد الخالية من العجائب، ودون تفكر أو تفكير في الآليات أو الآثار المباشرة على أفراد البلاد، وبلا استماع عاقل لأهل الاختصاص من ذوي الاختصاص من الاقتصاديين والمصرفيين الحقيقيين، تم استصدار استحقاق وطني مقدس آخر بمنع ما أسموه "ربا" وتحججوا بأن البركات ستتنزل مدرارا على المواطن، وأليس تهز رأسها يمنة و يسرة لمن رفع رأسه المعصوبة بالعصابة البيضاء، إلا أن إصرار الجميع على التبسّم كان عجيبًا وابتسمت أليس بتجهّم شديد!.

انشغل وتشاغل ممثلو الشعب بتلكم الاستحقاقات الوطنية المقدسة، بينما كانت أعداد غفيرة من الشباب تهرول وبإمرة (الشيّاب) لتكديس السلاح ونهب الأموال وتبديد الثروات

وقد انشغل وتشاغل ممثلو الشعب بتلكم الاستحقاقات الوطنية المقدسة، بينما كانت أعداد غفيرة من الشباب تهرول وبإمرة (الشيّاب) لتكديس السلاح ونهب الأموال وتبديد الثروات، وازدادت حيرة أليس عندما سمعت أحدهم يقول وعلى رأسه عصابة بيضاء "نحنا نصدروا القرار وما يهمنا كيفية التنفيذ لأنه مسئولية جهة الاختصاص فإن فشلت نعمل على معاقبتها.. وخلاص". ولسببين اثنين صفق كل الحضور ورقص بعض الحضور حتى سقطت عصابته البيضاء عن رأسه. أما الأول فكان لاستصدار الاستحقاق الوطني المقدس وأما الثاني والأهم فلإخلاء الطرف والتنصل من مسئولية قرارات عرجاء وذلك بالتلويح بعصا العقوبات للجهات المنفّذة!.

ونفذت جهة الاختصاص ذلك الاستحقاق الوطني. و بعد سبعة أيام بالضبط رجعت أليس تطلّ من فوهة البركان فاسترعى انتباهها ما أصاب البلد من قحط في السيولة حد افتراش النساء والرجال الأرصفة القاحلة لكنها تنبهت لغياب أصحاب العصابة البيضاء كلهم حتى أبنائهم لا أثر لهم أمام المصارف وكأن السيولة لم تغب عنهم يومًا. وكانت أليس من منتظري ظهور السيولة مع المنتظرين من المواطنين ولم يظهر في الحقيقة إلا سيل جارف من الانحطاط القيمي والتبلّد العاطفي وغياب بوصلة التخطيط والتفكير المتزن من قبل ناعتي أنفسهم بألقاب ضخمة من ساسة البلد ومسئوليها وقياداتها وزعمائها وحكمائها وعقّالها ورجالها.

فهم وأعني بعضهم من النجباء يفضحون أنفسهم بأنفسهم عبر تصريحات خرقاء لا تبيّن إلا حجم الانفصال التام عن الواقع المعاش الذي هم فيه إذ لا يطالهم ما يطال المواطن المتهالك على الأبواب الصدئة للمصارف.

وكيف لنا ألا ننتبه لنتيجة موجعة من نتائج القرارات المقدسة وهي أن السيولة التي تدور في فضاءات البلاد دون أن يراها المواطن المغلوب على أمره المقهور قلبه المطحون كبده والمقتول مئات المرات ذلًا وغبنًا هي أكثر من ثلاثين مليارا. أي أنها ثلاثون تجرّ خلفها تسعة أصفار كبيرة جدًا.هذا رقم ضخم للغاية خصوصًا إذا قُورن بما كان عليه الحال قبل الربيع المستعرّ والتي كانت السيولة حينها لا تتعدى الثمانية مليار دينار. أي أن مقدار السيولة الغائبة الآن هي أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل ذلك الفبراير!.

ماذا حدث إذًا...؟ تساءلت أليس.

قد تكون بعضها أعني السيولة، غائبة داخل المصارف لكن الأرجح أن معظمها حاضر الآن وفي هذه اللحظة عند التجار. قد تكون تحت "المندار" في المرابيع بدل إيداعها المصارف كما جرت العادة واقتضت الضرورة في كل بلاد العالم. ربما كان ذلك لفقدان الثقة في القطاع المصرفي لانعدام الأمن وأسباب أخرى لا مجال لتناولها هنا. وتظلّ الخارقة في فرض التجار إتاوات قد تصل إلى ثلاثين بالمئة على من لا قدرة له على الدفع إلا بصك ولم تتبين أليس أهي ربا أم فائدة أعني الثلاثين بالمئة، رغم منع كلتيهما باستحقاق وطني مقدس.

وهكذا تستمر السيولة غائبة والمعاناة حاضرة في بلد كُتب عليه الشقاء بأيدي أبنائه وعلى أيدي أبنائه سواء كانوا من أصحاب العصابة البيضاء أو أي لون آخر. ولكن لأليس الصغيرة دائمًا رأي آخر أكثر إشراقًا وبهاء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات