رسالة إلى "زوبا" الساحرة

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

منذ 56 عاما تناولت لأول مرة في حياتي طبق فول مدمس في مطعم التابعي الدمياطي بالتوفيقية. كان ذلك بعد الفجر بقليل. كنا شبابا جئنا إلى القاهرة، التي كانت أول مدينة نراها من بعد مدن شرق ليبيا. في تلك الليلة رأينا للمرة الأولى راقصة تتلوى أمامنا لا يفصلنا عن سيقانها البضة سوى أمتار، فلقد أخذنا (علي عوض) من فندق السنترال بالعتبة إلى ملهى صفيه حلمي بحديقة الأزبكية، ولم نغادره إلاّ عند الفجر!. كانت تلك أول تجربة لشباب مازالوا في المرحلة الإعدادية.

ثم أخذنا مرشدنا إلى فول التابعي الدمياطي الأشهر في ذلك الوقت، وفيما كنا نتناول إفطارنا صاح أحد الرفاق مندهشا ومرتبكا: "سالمة جمال!". كانت سامية جمال حينها بطلة معظم أفلام فريد الأطرش، وأيضا فتاة أحلام صديقنا هذا. كانت رفقة فريد شوقي وفاتن حمامة. ظل صديقنا مأخوذا بها مرددا: "لو فقط أصافحها". لم أتردد ذهبت إليها، حييتهم، وأخبرتها أننا من ليبيا وأن صديقي معجب بها ويحلم بمصافحتها فهل أحضره لها. أشرقت بابتسامتها الشهيرة، وقالت: "لا!. أنا اللي (حا روحلو وأبوسو كمان)". وقامت واحتضنته مثلما تحتضن ابنها الفتي، وطبعت قبلتين على خديه فكاد أن يغمى عليه.

ولكن علاقتي بالفول المدمس لم تتأصل، فالقولون وراثي في عائلتنا كلها، باستثناء ابنتي (زوبا) التي تعشق الفول، وهي التي أخذتني أول مرة لمطعم حديث اشتهر في القاهرة اسمه (زوبا) طور الكثير من الأطباق الشعبية المصرية، من كشري، وعيش بلدي بعدة نكهات وكذلك الفول. ولهذا صار مطعم (زوبا) المفضل عند زوبا.

ولي مع (الرضيعة) زوبا حادثة لم تغب عن خيالي أبدا، منذ 26 عاما قمتُ مبكرا ذات صباح. كنت أنتظر صديقا يمرّ بعربته لنسافر إلى طرابلس. وفيما كنت أحتسى قهوتي الصباحية، بمطبخ بيتي، دخلت زوبا -وحافظة (البمربز) الليلية تلفها- ومن دون أن تعيرني انتباها سحبت الكرسي من جانبي، واتجهت به نحو طاولة يعلوها دولاب معلق. ركبت فوق الكرسي وتسلقت سطح الطاولة. قامت وفتحت باب الدولاب. سحبت علبة حليب الأطفال، ماركة (سيريلاك). وضعتها على الطاولة. نزلت. سحبت الكرسي نحو حوض غسيل أدوات المطبخ. التقطت الرضاعة المغسولة. وضعت بها ملعقتين من الحليب المجفف. أضافت قليلا من العسل. ملأت الرضاعة بماء الصنبور الساخن. خففت سخونته بالماء البارد، رجت الرضاعة. نزلت. اتجهت نحو أريكة بصحن البيت. استلقت وأخذت تمص الحليب بمتعة واضحة. عادت بالرضاعة إلى المطبخ وضعتها بالحوض. التفتت نحوي باسمة وقالت: "بح حير". وعادت إلى فراشها. ثم فجأة، كبرت وتخرجت في جامعة بنغازي. وتزوجت، وسامحتني لأنني لم أحضر عرسها.

قررت أن أهذي قبل أن يغيبني الزهايمر

ومن بعد أن بدا الشبح يقل عن عينيَّ. وسقطت بضعة سنون، وصار شعري أبيض كالثلج. وأخذت ركبتي اليسري تخذلني أحيانا. وصار الشباب يتنازلون لي عن مقاعدهم في الحافلات، والقطارات، قررت بعد أن يئست من بلادي، أن أعيش بقية أيامي في هدوء. لم يعد بمقدوري أن أفعل شيئا، لا لزوبا ولا لبقية أخوتها. أصغرهم طيار وأكبرهم سيهبني أحفاد أحفادي. وكل ما أحلم به رحيل هاديء فأنا أكره أصوات الانفجارات ورائحة البرود.. والغباء.

قررت أن أهذي قبل أن يغيبني الزهايمر. ما كسبته تحول إلى حجر مرصوص فوق بعضه يأويهم وسمعة أعرف كيف أسستها، وأصدقاء أنتشي عندما يهمس هاتفي بأصواتهم، وتغمرني البهجة حين تحضنهم عيناي، وحين أختلي بنفسي يترأى أمامي شريط حياتي، فأضحك، مثلما ما يقول من يراني: "صار يضحك من دون سبب، وهذا شيء جيد ولكن المزعج أنه يبكي أحيانا، ومن دون سبب!". يا للهول إنهم لا يعلمون أنني أعيش حياتي مرة أخرى وأن ما يرونه هو قرة عينيَّ، وليست دموعهما.

قررت أن أكتب لكل واحد من أبنائي رسالة تخصه وحده أورثه بها معلومة أنفقت أكثر من سبعة عقود أتعلمها. هذه المعلومة هي في الحقيقة مجرد استنتاج قد يكون ملونا ولكنه مخادع، كتلك الطحالب الخضراء المتموجة مع حركة المد والجزر فوق صخور بحر الشابي، والتي كثيرا ما أوقعتنا بسبب انزلاقنا فوقها.. الاستنتاجات تُزلِق كالطحالب، إنها نتائج التجارب، فتجربتي قد لا تكون كتجربة أحد منهم، فلا يوجد في الدنيا شخصان متشابهان ولا تجربة وأخرى. فليحاولوا أن يستفيدوا من تجربتي أنا، التي ليست بالضرورة مفيدة لهم.

فيا زوبا لقد رأيت أولئك الذين يتصادقون مع أنفسهم، ينتبهون إلى نقاط ضعفهم ويصلحونها، ولا يتذمرون مما يعجزون عن تنفيذه من أعمال. وإننا لن نحظى باحترام أحد مالم نحترم أنفسنا. يقول من سبقونا أن رثاء النفس هو أحط العواطف البشرية.

فلا تحبطي، يا زوبا، مما تعجزين عن تحقيقه فقد يكون ذلك بسبب أن رقما واحدا في معادلتك لم يكن صحيحا، وليس المعادلة كلها. لا ترثي نفسك بل راجعيها فقط، فإن أنت أسست صداقة مع نفسك فإنها لن تخذلك. إن الصديق الحقيقي لا يخذل صديقه أبدا.

لقد أسست صداقة بين عاطفتي وعقلي فصار يجتهدان لتطويع رغباتي. فلو أنت مثلا شخصية عاطفية سوف يحد من اندفاعها صديقها العقل. وإن كنت عقلانية سوف تخفف عاطفتك من صرامة عقلك وذلك كله لا يتأتى إلاّ بالصداقة وتناغم النفس. وحقد النفس على النفس يطوي الضلوع على المستحيل. وحب النفس للنفس هو طريق السعادة. فهمت يا زوبا؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات