مجرد ذكريات 4

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

"النوافير" وقبلها "القبوية" ما أصدرنا في سجون القذافي من صحافة ثقافية، "جماعة الصحافة" دُعيت جماعتنا التي أُودعت السجن فقد كنا مجموعة من الكتاب والشعراء، ولهذا في السجن أحدثنا متغيرا نحو الثقافة وأصدرنا صحافة ثقافية اجتازت القضبان وشدت الرحال إلى ثقافة العالم رغم منع الصحف والكتب، عبر الأثير الراديو الذي تم تهريبه تمكنا من جعله حبل السرة لثقافة بلغات عدة، فالسجن برج بابل كان بسجنائه المتعددي اللغات والجنسيات أيضا، الأجانب خاصة من أوربا كالطليان مسموح لهم بالزيارة وسفارتهم تزودهم بالصحف والمجلات والكتب.

"القبوية" صحيفة لا تبحث عن الحقيقة كان شعارها أصدرناها فترة التوقيف بسجن "الجديدة بطرابلس الغرب"

"القبوية" صحيفة لا تبحث عن الحقيقة كان شعارها أصدرناها فترة التوقيف بسجن "الجديدة بطرابلس الغرب" كنا ساعتها ثمانية عشر بعد الحكم سيفرج عن ستة منا، بورق السجائر في القسم الذي أطلقنا عليه القبو بدأنا نشر الصحيفة، ومن الأشياء الطريفة أن من يكتب قصة أو قصيدة تنشر له مرفقة بتحقيق صحفي مع القراء محتواه رأيهم في النص، وينشر عبرها الكاتب وبخط يده ما يريد دون الرجوع إلى التحرير، قصائد وقصص وكتابات نقدية ستنشر فيما بعد في الصحف الليبية وغيرها مما نُشر في "القبوية".

وأما بعد الحكم وبعد نقلنا للسجن العسكري "الحصان الأسود" فكانت "النوافير"، المجلة دار النشر التي تصدر مكتوبة على ورق سجائر نوع أطلس المحلية لأنها الأعرض وفي نسخة واحدة يطالعها السجناء بالتتالي، هذه المجلة تُصدر كُتبا مؤلفة أو مترجمة توزع معها، وترفق بالمقالات رسومات يرسمها السجناء، ذات مرة تم تهريب عدد مجلة "التايم" أثناء الزيارة بأن قامت أم صديق بتحويل المجلة إلى أوراق لفت في كل ورقة شيء مما جلبت من طعام، أعدنا للمجلة كيانها وصفحات منها نُسيت وجدُتها مفصولة، تنبهت للصور التي في عدد من "النوافير" أعدنا نشرها طالبين التعليق عليها من القراء الذين جاء تعليق الكثير منهم بالسخرية من هذه الشخبطة التجريدية، في العدد التالي كشفنا أن اللوحات عبارة عن صور لخيام بدوية سعودية مطرزة من النساء البدويات السعوديات، وأثرنا في "النوافير" قضية الموقف الثقافي العام ما يستسيغ التشخيص في الفن الكلاسيكي الغربي ولا يفعل ذلك مع فن التجريد ذي الأصول الإسلامية.

وتعددت المواد المنشور بالمجلة "النوافير" فقد كان منا زملاء يستمعون لإذاعة البي بي سي الإنجليزية ويترجمون شيئا من تقاريرها الثقافية، وبمثل هذا تمكنا من معرفة كتاب من العالم مبكرا مثل ايزابيلا الليندي، وكذا كنا نفعل ذلك مع المحطات العربية فمثلا عند وفاة الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي أذاعت محطة "صوت العرب" آخر مقابلة معه وتذاع لأول مرة، كتبنا اللقاء حرفيا ونُشر بـ"النوافير" التي احتوت أيضا في أعدادها على عدة ملفات كملف عن السينما الجزائرية التي بُثت الكثير من أفلامها عبر محطة التلفزيون الليبية التي هي المحطة الوحيدة حينها، وقد كتب سجين عسكري كان أستاذا بالأكاديمية العسكرية الليبية دراسة مرفقة بالرسوم التوضيحية حول إخراج الأفلام المعارك العسكرية فيما شاهده من تلك الأفلام، أما الكتب فقد كانت الغالب تؤلف جماعيا بمعنى تحتوي على مقالات لعدة كتاب ولكن في موضوع واحد أذكر منها:

1 - جدل القيد والورد في الشعر العربي: كتابات في الشعرية نظرية وتطبيقية- تأليف جماعي.
2 - العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي، بمناسبة اغتيال حسين مروة، تحت عنوان فرعي: من قتل حسين مروة؟. بحث في الآيدولوجيا واللاعقلانية- تأليف جماعي
3- دراما التصحر في التلفزيون العربي، بحث في المسلسلات العربية خاصة الأردنية منها التي اجتاحت تلك المرحلة- تأليف جماعي
4- دراسة عسكرية لمعارك الجهاد، مرفقة برسوم توضيحية- تأليف المقدم آدم أحمد
5- بحث في فلسفة العلم- تأليف نوري الماقني
6- عودة مواطن كتابات في فلم محمد خان- تأليف جماعي.

"نوافير" كانت مركزا ثقافيا للنشر والترجمة والأنشطة الثقافية

وتمت ترجمة كتب عن الفرنسية والإيطالية التي ترجم عنها عدة كتب منها:
• رواية للروائي الإيطالي كالفينو عن الإيطالية ترجمة جمعة بوكليب وأحمد الشيخ.
• سلسة كتيبات في التاريخ الإيطالي ترجمة عبد الحميد البشتي.

وبالتالي فإن "نوافير" كانت مركزا ثقافيا للنشر والترجمة والأنشطة الثقافية، فيما كانت "القبوية" صحيفة ساخرة وتهكمية، وتعلة ذلك في تقديري أن "القبوية" كانت في فترة التوقيف التي تبث الشعور بالقلق الناجم عن عدم الاستقرار والأماني في الخروج، أما "النوافير" ففي فترة الحكم المؤبد حيث كان شعار هذه المرحلة "اليأس العظيم" ما أنتج جلَ ما كتب الزملاء السجناء الكتاب من قصص ومسرح وشعر ومن دورات تعليمية في اللغات وغير ذلك.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات