زمن التغريد

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

هذا زمن "التغريد".
إنه زمن (التويتر). أنا، بالطبع، اتحدث عن نوع من الإعلام الأكثر تداولا. التغريد هو الشائع لأنه يتمشى وسرعة العصر الحديث. لم يكن هناك محللين سياسيين كثيرين في القرن الماضي، على الأقل في الإعلام العربي. ولكنهم الآن كثيرين جدا. أنا شخصيا لم أتصور يوما أن أنعت بمحلل سياسي، وعلى الهواء مباشرة، لسبب بسيط للغاية، وهو قناعتي بأنه ليس كل كاتب أو سياسي جيد، هو أيضا مُتحدث جيد. تماما مثلما انه ليس كل مُتكلم جيد هو كاتب أو سياسي جيد. الحديث المقنع موهبة، ملكة يمنحها الله لمن يشاء من عباده ولا يمنحها لآخرين . كثيرون آسرونا بموهبة الاقناع والحديث منذ ان قامت ثورة فبراير 2011 التي بدأ الإعلام الغربي يوضح لنا أنها مجرد انتفاضة لأنه لم يكن هناك من خطط لها مسبقا. ما حدث في ليبيا يشبه ما حدث في (الثورة الفرنسية) التي هي انتفاضة وليس ثورة مثلما يقول المحللون السياسيون الذين يكتبون ولا يغردون.

ما يقدمه الإعلام العربي تحديدا، في مداخلات الدقائق المعدودة التي غالبا ما تنهيها المذيعة أو المذيع بعبارة : "شكرا .. وصلت الفكرة" لا تتفق أبدا مع اللقب الذي يمنحونه لضيوفهم : الأنسب، في تقديري، أن يسمى "المحلل السياسي". ضيف نشرات الأخبار بالمغرد السياسي؛ لأن حرص المذيع على الوقت المحدد لتحليله السياسي يتطلب ضغط للمعلومة، يعني (تغريدة).

والتغريد ملكة وهبها لبعض مخلوقاته فقط: لم يمنحها للحمار، مثلا، ولا للأسد ولا للتيس أيضا. منحها للطيور ومع ذلك استثنى الطاؤوس منها، لأنه يطلق بين الحين والآخر صرخة مرعبة يقولون لأنه شاهد قباحة مخالب رجله القبيحة التي لا تتفق مع جمال ريشه.

التغريد كعصير اللوز الرمضاني المركز. قليل منها يعطى الكثير، ولا أظن أن تناوله في إفطار رمضان تتساوى لذته عند احتسائه في غير هذا الشهر المبارك.

قررت منذ بداية هذا الشهر، الذي تزامن انتهائه مع عطلات عيد الفطر- شهر يونيو- أن أكتب شهريا (تغريدات) شهرية الخص فيها ما حدث وما قلته، وما هو قائم بالفعل وأترك للقاريء يغرد، أو يحلل كيفما شاء.

أول تغريدي: كل سنة وأنت طيبون، ومبروك على بنغازي تحريرها من الإرهاب

أول تغريدي: كل سنة وأنت طيبون، ومبروك على بنغازي تحريرها من الإرهاب. عاد سوق الحوت، وسنعود لقهوة سليمان بيده ونتوقف عن التحليل السياسي، لأنه ليس بمقدور لاعب ورق (القاقو) أن يتحدث أثناء اللعب. هذه قواعد اللعبة البديعة التي ابتكرها يهود ليبيا، ومازالوا يلعبونها ويحتسون (البوخة) ولا يثرثرون، يغردون فقط. أما بقية التغريد الجدي لهذا الشهر فهي كالتالي:

1- طرح عضو مجلس النواب عبد السلام نصية خيارين لاستعادة الدولة الليبية والبدء في حل القضية الليبية: "تعديل اتفاق (الصخيرات) السياسي وفقا للنقاط الخلافية الثلاث وإعادة تشكيل الحكومة، وبالطبع هذا يتطلب تمديد المرحلة الانتقالية إلى سنتين على الأقل". أما الخيار الثاني فهو: "انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال النصف الأول من العام القادم.. "وهذا رأي جدير بأن يؤخذ في الاعتبار.
2- كشف المستور جراء مواجهة السعودية والإمارات والبحرين ومصر لدولة قطر واتهامها بتمويل الإرهاب، بانت جرائمها في ليبيا فانقسمت ليبيا إلى معسكرين: معسكر يدين قطر ويرفع مطالبه بتضمين عدد من الشخصيات المؤثرة في الشأن الليبي في قائمة داعمي الإرهاب، أما المعسكر الثاني، وهو الطرف الآخر في المعادلة الليبية منقسم إلى قسمين: قسم يدين التطاول على قطر، والثاني صامت لم نسمع منه شيئا.

3- تداعيات قضية قطر منحت الجيش الوطني الليبي دعما أكبر بسبب تعاونه مع مصر ودولة الإمارات العربية، فبعد سيطرته الكاملة على جنوب ليبيا؛ قاعدة تمنهنت وقاعدة براك الشاطيء تحديدا باعتبارهما نقطتان مهمتان في السيطرة على الحدود الجنوبية. انتصار على الذيول المتبقية في محوري الصابري وسوق الحوت.

4- سيطرة الجيش الوطني الليبي على منطقة الجفرة الاستراتيجية، وترحيب سكان واحاتها به، وعودة الفريق ركن الريفي علي الشريف، الذي نقلته طائرة عسكرية من البيضاء إلى ذويه في الجفرة، التي كانت محور عمله من سبتمبر 69، ناهيك أن علاقاته الاجتماعية القوية، ويشاع أن الفريق الريفي قد يتولى حكم المنطقة عسكريا.

5- إطلاق سراح سيف الإسلام القذافي وفرحة أنصار النظام السابق خصوصا في الجنوب وفي بني وليد، حيث خرجوا ليلة الجمعة الموافق 9 يونيو بأسلحتهم وراياتهم الخضراء يهتفون للنظام السابق، وبالطبع ليس كل سكان تلك المناطق مؤيدون لذلك، ولكن عدم حدوث مواجهة مسلحة ولو بسيطة يعني أن هناك حاضنة واسعة لأنصار النظام السابق، ثم لا ينبغي أن نغفل أنهم أسسوا في الشتات، ثلاث جبهات رسمية أعلنت عن نفسها، هي:

أ‌- جبهة النضال الوطني ويقودها أحمد قذاف الدم. ب- الحركة الوطنية الشعبية الليبية، ومنسقها مصطفى الزائدي.
جـ - الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا وتتدعي أن سيف الإسلام القذافي هو من يقودها.

وهي تضم تكتلات من اكاديميين وقانونيين واتحادات طلبة، وكل هذه التنظيمات لهم أنصار في داخل ليبيا وخارجها. ولعله من المفيد الإشارة إلى أن هذه الجبهات تعج بأعضاء مؤهلين لقيادة ليبيا خصوصا إذا اخذنا في الاعتبار المؤهلين منهم لتولي مناصب قيادية، واقصد ذوي السمعة الحسنة الذين ابعدهم قانون العزل السياسي. ولكنهم بالتأكيد لا يستطيعون الانفراد بقيادة البلاد تحت أية ظروف. ناهيك أنه يشترط بالتأكيد توافق هذه التنظيمات الثلاثة، وذلك ليس بالأمر الهين ولكنه ليس بالمستحيل فالثلاثة هم نتاج فكر واحد والثلاثة عانوا من التهميش والإبعاد.

6- وتأسيسا على ذلك سوف يكون الطرف الذي يتحالف معه أنصار النظام السابق له الفرصة الأكبر والاقوى لتأسيس حكومة تتولى إدارة البلاد، ولعل المتابع انتبه إلى تقارب الطرفين إلى من كانوا يسمونهم أزلام. غير أن لسيف الإسلام تجربة مع الإسلاميين الذين تولاهم أثناء مشروعه ليبيا الغد، وأيضا علاقة بالكثيرين من الذين كانوا جزءا من منظومة الجيش الليبي واللذين انضموا بالدرجة الأولي للحفاظ على أنفسهم من الاغتيالات التي اجتاحتهم من بعد التحرير.

7- ليس بمقدورنا بحسب الوضع القائم أن نقرر مؤكدين ما قد يحدث، ولكننا بالتأكيد قد نرى مصالحة وطنية تشمل الليبيين كافة وستعلن الزنتان عن رائها، وقد نسمع قريبا صوت بني وليد التي سيكون لها الثقل الكبير في المصالحة وإقرارها وتنفيذها.

8- لا أعتقد أننا نسير نحو حرب أهلية ولكن أخشى ألاّ يواصل المتحدثون والقادة وزعماء القبائل اصراراهم على وحدة ليبيا، وأن يعلموا أـن خيار النظام الفيدرالي أفضل بكثير من خيار التقسيم، الذي تلوح به وبخجل شديد الكثير من الأبحاث والكتب الغربية المهتمة بالشأن الليبي.

9- من المبادرات التي قد تكون مفيدة هي زيارة مندوب ليبيا الأسبق في الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم إلى طرابلس، وإعلان استعداده للتوسط بين الفرقاء. غير أننا لا نعلم شيئا سوى ما أعلنته وسائل الإعلام، وكذلك حماس مندوب الأمم المتحدة الجديد السيد غسان سلامة الواضح.

10- ذلك كله من غير أن نغفل البؤر الإرهابية التي تشكلت في ليبيا لا سيما في وديان بني وليد وفي صبراته، التي لا يعلم احد حتى الآن عن مخططاتهم. كما لم نسمع حتى الآن عن وضع درنه، وهل تنظيم القاعدة موجود أم انه غادر، وإن صح ذلك يظل السؤال قائما : إلى أين اتجهوا ؟ وما هو هدفهم القادم ؟.

11- ويظل وضع المواطن الليبي المقهور كما هو عليه. ومع ذلك يواصلون مثلي اطلاق التهاني بقدوم عام بهيج.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات