كان ملكا صالحا

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

يقول الدكتور على عبد اللطيف أحميده، أستاذ العلوم السياسية في جامعة (نيو اينجلند) بالولايات المتحدة الأمريكية، إن كثيرا مما ينشره الآخر له أبعاد ونوايا قد لا تكون واضحة تماما للمتلقي. أحيانا تكون تمهيدا لإقرار مخطط يحتمل أن يكون لصالحنا ولكن الكثير لصالحهم. ناهيك عن أن الباحث المجتهد مهما بلغ علمه قد يخطيء. ولأن ما يكتب عنا، هذه السنوات، سوف يصير مرجعا لمن يريد أن يصدر كتابا أو بحثا عما حدث في ليبيا من بعد فبراير 2011، رأيت أن أتجاوز الترجمة ليكون عملي قراءة في مثل هذه الكتب وهي كثيرة، بحيث يحق لي التعقيب والتصحيح خصوصا لما أن معاصره، كشاهد عيان.

الكتاب الذي بين أيدينا عنوانه طويل للغاية ترجمته الحرفية : التمرد الليبي سنة 2011 على مستقبل ما بعد القذافي، وهو ما بدأنا في نشر حلقاته في صحيفة هذه البوابة. إذ صدرت الحلقة الأولي في العدد رقم (81) يوم الخميس الموافق 15. 6. 2017. أريد أن أنقل جزئية أزعجتني جدا بسبب تشويه حقيقة تمس الرجل الزاهد الذي حكم ليبيا ما يقارب ثماني عشرة سنة فقط، ولو امتدت فترة حكمة لاختلف وضع ليبيا تماما. رحم الله الملك محمد إدريس السنوسي. فالتأكيد على حقيقة ماحدث سنة 1962 يلخص لنا توجهه، ويردُ على افتراءات سوف ينتبه القارئ إلى أين يتجه هذا الكتاب المكون من عشرة فصول كل فصل هو بحث قائم بذاته إذ أعده كتاب مختلفون، وأن أحد كتابه هو أكاديمي ليبي.

السنوسيون لم يكونوا عملاء لأحد بل كانت حركة دينية استطاعت أن تقضى على نسبة كبيرة من الجهل الذي خلفه التهميش التركي

يقول الباحث (جيسون باك) كاتب الفصل الأول، ومحررالكتاب:
ومنذ عام 1942، ظل (المحيط الليبي)، الذي يتألف من رجال القبائل غير الحضرية والقرى ذات الخلفيات البدوية، يسيطرون على مراكز السلطة في ظل الإدارة العسكرية البريطانية وعملائها السنوسيين (1942-1951)، إلى أن قامت الملكية السنوسية من سنة 1951 إلى 1969 ومن بعدها النظام الثوري للقذافي (1969-2010). إذ ظلت البلاد تحت النفوذ البريطاني خلال الإدارة العسكرية البريطانية، ومن بعدها النظام الملكي، بعناصره البرقاوية المنظمة الداعمة له، فنقل السلطة، من المركز العثماني ومن بعده الإيطالي وهو طرابلس، إلى مراكز بديلة مثل بنغازي والبيضاء. وهكذا فقد التجار الحضريون الأثرياء والمتعلمون الذين يمثلون مركز إقليم طرابلس السيطرة تدريجيا، نتيجة انحيازهم السابق مع المستعمرين الإيطاليين أو دعمهم للقومية العربية المستوحاة من مصر ضد البريطانيين والسنوسيين.

وهذا في تقديري، ليس صحيحا، لأن السنوسيين لم يكونوا عملاء لأحد بل كانت حركة دينية استطاعت أن تقضى على نسبة كبيرة من الجهل الذي خلفه التهميش التركي ومن بعدة الاستعمار الإيطالي، وبعدما قامت الحرب العالمية شارك السنوسيون البريطانيين في حربهم ودحرهم للطليان، وكان الجيش السنوسي مشاركا على نحو، فلقد تأسس الجيش السنوسي في مصر، ثم صار الملك إدريس السنوسي أمير على برقة ثم بايعه أعيان و (تجار) ليبيا كلها ملكا ومن بعد أن بسط النظام الملكي نفوذه مبتدئا بالنظام الفيدرالي، الذي سرعان ما أصبح مركزيا، أخذت الدولة في بسط نفوذها ولم يكن هناك فراغ في السلطة، وأخذت البلاد تزدهر في ظل حكم رشيد. وما استمر القذافي لأكثر من أربعة عقود إلا بما وجده من كوادر مؤهلة ولم تنهر الدولة التقليدية إلاّ من بعد تطبيق نظرية لم يكن أحد مؤهلا لها.

أما كون أن الطرابلسيين كانت لهم علاقات مع إيطاليا فهذا صحيح سببه طول بقاء الايطاليين في طرابلس ولكن لم يعملوا مطلقا ضد الملك بل كان لهم السبق في أعمالهم التجارية التي ازدهرت حتي قيام الجماهيرية. وقد تكون لهم ميول طرابلسية عميقة للقومية العربية، شأنهم في ذلك شأن ليبيا كلها. غير أن المؤكد هو أن الملك لم يكن ضد العرب بل كانت علاقته جيدة بنظام عبد الناصر، لأن من أُخذوا بالقومية العربية هم جيل الستينيات، وإن ضاع حلمهم بنكسة 67. ولعل خير دليل على ذلك هي رواية المرحوم الدكتور على الساحلي؛ التي تقول: "في فبراير1962 قابل (أرمند هامر) رئيس شركة (أوكسيدنتال) للنفط الأمريكية المرحوم الملك إدريس السنوسي بحضور الدكتور على الساحلي بصفته رئيس الديوان الملكي. طلب (أرمند هامر) من الملك أن يستقطع نسبة بسيطة من دخل ليبيا من النفط الذي بدأ يتضخم، وهذه القيمة لا تشكل قيمة تذكر تخصص لمساعدة أفريقيا.

تبرعت ليبيا إدريس السنوسي بما يفوق تبرع الدول العربية كافة في مؤتمر القمة العربي بالقاهرة

أجابه الملك في نقاط كالتالي:
- أن ليبيا في طور البناء والإصلاح وقد شرعت فعلا في خطة تنمية وإسكان.
- أن ليبيا تضررت من الاستعمار الإيطالي ومن تقاتل الإنجليز والألمان والطليان على أرضها خلال الحرب العالمية الثانية.
- هناك دول عربية ساعدتنا في محنتنا وهي أولى بالمساعدة.
- المفروض أن يساعد أفريقيا من نهب ثرواتها.
- وعلى العموم لو فكرنا في مساعدة أفريقيا فإننا سنعرض الأمر على البرلمان الذي مثل الكونجرس الأمريكي.

وغادر ( ارمند ) مغتاظا سمعه الدكتور على الساحلي يقول : "هذا البلد لا يحتاج إلى كونجرس وإنما إلى شخص واحد نتفاهم معه". هذه الحادثة موثقة وبالإمكان الرجوع إليها بالموقع : "www.almofed com/1160-topic http:// " .
ولعل هذا يفند الادعاء القائل بأن الملك كان ضد القومية العربية، ولا القومية العربية ضد السنوسية، وأيضا لوكان الأمر غير ذلك ما تبرعت ليبيا إدريس السنوسي بما يفوق تبرع الدول العربية كافة في مؤتمر القمة العربي بالقاهرة، والذي عقد في يناير 1964 إذ تبرعت ليبيا بمبلغ 55 مليون جنيه لصالح المجهود الحربي العربي، فيما تبرعت السعودية بمبلغ 40 مليون والكويت بميلغ 15 مليون، مما جعل عبد الناصر في غاية السرور وظلت علاقتها متميزة، فقد لجأ الملك إلى مصر وحماه ورعاه عبد الناصر وظل بالقاهرة حتي رحيله رحمه الله.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات