أولياء العهد

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

حراك فبراير منذ بدايته أدار رأسه إلى الخلف وحدق في الماضي بحثا عن شكل أو ديكور لسكرة شعب اختصر مضمونها في هتاف الشعب يريد إسقاط النظام، كان المستقبل غائما في بلد لم تكن فيه دولة حديثة بمعنى المصطلح، ولم يكن فيه تراكم أو تراتبية؛ كنائب للرئيس مثلا أو معارضة فاعلة تجهز للبديل، فكانت ليبيا مساحة جغرافية يعمرها سكان مطيعون ويأمرها زعيم بحاشيته العابدة له، ودوائر خدمية تعمل على استمرار الحياة كان معظمها مقتصرا على نزول مرتبات شهرية تضمنها ثروة نفطية تقوم شركات أجنبية باستخراجه وتسويقه.

لم يكن ثمة مسافة شاسعة بين النظرية المجنونة وما يحدث على أرض الواقع من جنون، فالجيش تم تفريغه في شعار الشعب المسلح، والحدود أزيلت عبر هدم البوابات مع دول الجوار أو عبر تلوين خارطة الوطن العربي بالأخضر دون حدود، ومعالم الهوية الليبية أذيبت في فضاءات أوسع؛ عربية أو إسلامية أو أفريقية، وجهاز الشرطة أجهزوا عليه بفكرة الأمن الشعبي، والمؤسسات الرقابية أريق دمها بمقولة الشعب يراقب نفسه، والسلطة التشريعية تمت شحترتها في مئات أو آلاف المؤتمرات الشعبية والكومونات التي لم يكن يحضرها أحد غالبا، والسلطة التنفيذية تم تفنيدها باختراع أمانات اللجان الشعبية التي تتصف بكل شيء ما عدا الأمانة، وترأسها أمانة عامة تعمل بأوامر من جهاز هاتف أسود مرتبط بالقيادة رأساً، ولديها اجتماع دوري تقوم فيها القيادة بتوبيخها وشتمها واتهامها بالفساد أمام الجماهير، الجماهير التي حلت محل مفاهيم مثل الشعب أو المجتمع المدني أو الأحزاب أو النخبة أو الناس أو المواطنين، حتى أطلق على اسم هذه الهلمة جماهيرية عظمى، هي في الواقع عبارة عن قبيلة على رأسها شيخ مخبول مدجج بالمال وبالسلاح يُبايع من رعيته بوثائق مكتوبة بالدم أو الذهب، لتحل هذه الوثائق بدل الاقتراع.

تراجع ترتيب ليبيا في كل المؤشرات الدولية الإيجابية إلى ذيل القائمة ما عدا مراتب الفساد والجريمة والبطالة

أما القضاء فقد اختُزِل لفترة طويلة في محاكم سُميت "المحاكم الشعبية" البريء فيها متهم حتى ولو ثبتت براءته، وتفرغ القضاة لقضايا الزواج والطلاق والنفقة، ومهنة المحاماة فرغت في كيان اسمه المحاماة الشعبية أصبح المحامي فيها موظفاً تابعاً للدولة، يتقاضى مرتبا شهريا مقابل أية مرافعة عن قضية لا يعلم عنها شيئا ولم يسبق له أن التقى بالمتهم قبل المرافعة الشكلية.

في قلب هذه الدوكة التي بدأ النظام يتراجع عنها متأخرا في توقيته، قامت ما تسمى بثورة فبراير، ولأن المستقبل لم يكن شأنا ليبيا حتى ذلك التاريخ عدنا إلى الصفر المحبب لنا، وكان الموعد مع آخر شبح للدولة (31 أغسطس 1969) فخرج علم الاستقلال من خزنة الثياب القديمة، ومن أرشيف الموسيقى الغابرة خرج نشيد الاستقلال الوطني، ومن ألبومات الأبيض والأسود خرجت صور الملك إدريس السنوسي وولي عهده المحبوب، ورغم أن الشبان الذين كانوا ينظرون إلى الكهول شزراً سموا فبراير ثورة الشباب إلا أنهم لم يجدوا في ذاكرة التاريخ الليبي رموزا سوى شيخين طاعنين في السن، السنوسي والمختار، يرفعون صورهما رمزين لثورة الشباب، متناسين أن انقلاب الفاتح الذي سمي تعسفا ثورة، كما فبراير، قام به شبان يافعون.

في ظل الديكور الملكي لانتفاضة ضد نظام القذافي الجماهيري نمت نزاعات كثيرة منذ البداية تدعو إلى العودة إلى دستور 1951 الفيدرالي، والبعض دعا إلى العودة إلى تعديله العام 1963 الذي وحد ولايات ليبيا وفق رغبة الدول العاملة شركات نفطها في الكنز الليبي المكتشف حديثا. ومن هذه الرغبات الخجولة تشكلت حركة فيدرالية تدعو إلى عودة ولي العهد، محمد الرضا السنوسي، المقيم في المنفى ضمن طقوس الحنين إلى الماضي.

بعد ست سنوات من سقوط النظام السابق، وما شهدته هذه السنوات من انقسامات واستقطابات وحروب وحوارات وفساد، وذبح وخطف ومجاعة، وقلق وحيرة لكل مبعوثي الأمم المتحدة أمام حدة العناد الليبي وأمام صراع مصالح من تصدوا للمشهد الشخصية، وبعد أن تراجع ترتيب ليبيا في كل المؤشرات الدولية الإيجابية إلى ذيل القائمة ما عدا مراتب الفساد والجريمة والبطالة، وبعد أن دلل الكثيرون بعودة ولي عهد الملك ولم يجدوا له سوقا رائجة، يخرج علينا من جديد سيف الإسلام ولي عهد القائد المملكة الجماهيرية كوريث شرعي للسلطة، ويتحول إلى ورقة سياسية يلعب بها الجميع، العسكريون والسياسيون والقبائل، ورجال ونساء النظام السابق، والمشتاقون من بقايا منظمات سيف الشبابية. فالشباب الذي ترعرع في مؤسسات براعم وأشبال وسواعد الفاتح لا يعرفون ولي عهد الملك الذي يسوّق له الكهول في ذروة حنينهم لزمنهم الجميل، لكنهم يعرفون الولي الثاني سيف الذي أسس فترة ما منظمات شبابية في جميع أرجاء ليبيا انتمى لها معظم الشباب الليبي الناشط آنذاك.

وانتقلت اللعبة من الترويج لولي عهد الملك إلى الترويج لولي عهد ملك الملوك

الأفق مغلق، والمسار السياسي يمشي فوق رمال متحركة، ووعود فبراير كانت زبدة ليل ذابت مع الشروق ومع بزوغ فجر ليبيا، وكل من انتخبهم الشعب (الجماهير سابقا) خانوهم وخانوا ثقتهم، والشعب المسلح الذي عجز صاحب النظرية عن تطبيقه بالكامل طبقه تلاميذه النجباء، وفكرة إلغاء العملة والمقايضة في التعامل بين الليبيين الذي كم نادى بها القائد ولم يستطع تنفيذها نفذها تلاميذه المخلصون بعد فبراير، وقطار الموت القادم الذي كم هددنا به القائد ولم يأت جاء به تلاميذه بعده وسمعنا هديره في كل ركن من الوطن، ودعوته لنا بالهجرة خارج ليبيا مقابل مبلغ مالي كخلو رجل تحققت بعد فبراير فاكتظت دول الجوار بالنازحين دون مقابل، ودعواته لنا بالجهاد ضد الصليبية الجديدة وهتافه "لنار النار الدم الدم .. الليبي عالموت امصمم" طبقها حواريوه الخلصاء حين أعلنوا ضد أبناء جلدتهم ودينهم ومذهبهم من الليبيين العزل الهُزَّل.

بعد ست سنوات خبط الليبيون في الساس، كما يقال، ولا حل سوى أن يلتفتوا إلى الخلف، ويتبعوا أثار أقدامهم إلى الماضي للبحث عن شرعية أو شبه شرعية أو "بنة شرعية في طاسة". شرعية الملك التي اكتسبها بالمبايعة أو شرعية القايد التي اكتسبها بالمبايعة، وانتقلت اللعبة من الترويج لولي عهد الملك إلى الترويج لولي عهد ملك الملوك.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات