التطوع: من فعل تبشيري ديني إلى منجز علماني

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

المبادرة إلى مساعدة الآخرين، عضليا أو ماديا، بإعانتهم على تجاوز وضع صعب أو ضائقة، وحتى إنقاذ حياتهم، فعل ينبع من مشاعر التعاطف الإنساني الخالص ورهافة الحس الإنساني، وهو من الأفعال المرتبطة بنشوء الضمير لدى الإنسان، فالضمير ظاهرة تاريخية نشأت في مرحلة محددة من تطور الإنسان الباطني وانبثق عنه ما أصبح يسمى الأخلاق.

يقرر جيمس هنري برستيد* أن التمييز الأخلاقي نشأ، أول ما نشأ، في الأسرة حين "وصلت حياة الأسرة إلى درجة سامية من الرقي تزينها العواطف الرقيقة التي أوشكت على التعبير عن مظاهر الرضى أو السخط، وأفضت إلى تصورات عن السلوك الحميد والسلوك المعيب. وبذلك بدأت المشاعر الباطنية ‘‘للضمير‘‘ تسمع صوتها للإنسان. ولأول مرة صار الإنسان يدرك القيم الأخلاقية كما نعرفها نحن الآن".

هذا الفعل الصادر عن التعاطف الإنساني هو ما نسميه "التطوع". والأعمال التطوعية تختلف في طبيعتها عن الأعمال التعاونية، من مثل ما يحدث في الأحياء السكنية والقرى كمساعدة جار أو قريب في بناء بيت أو حراثة قطعة أرض، ذلك أن الدافع هنا هو الواجب الاجتماعي، وليست مشاعر التعاطف الإنساني، وتوقع الشخص أن يتلقى خدمة مشابهة في موقف مشابه. فالفعل هنا ناتج عن إلزامات العرف وتوقع المصلحة. كما أن تنادي جماعات للقيام بحملة تنظيف حيهم السكني يدخل في باب التعاون الذي يستفيد منه أصحاب المبادرة أنفسهم، باعتبارهم من ساكني الحي.

ظاهرة التطوع، المتخطي لحواجز الأعراق والأديان واللغات ظاهرة غربية لكن علينا أن نحاول إيجاد سبب

نحن نَقصُر حديثنا هنا عن التطوع الذي يقدم فيه المتطوعون خدمات لأشخاص لا يعرفونهم وفي كثير من الأحيان لا تربطهم بهم أية روابط قومية أو دينية أو لغوية. التطوع كفعل لا ينتظر صاحبه نيل شكر أو جزاء دنيوي أو أخروي. وينبغي الاعتراف بأن هذه الظاهرة تكاد تقتصر على مواطني الدول الغربية.

فهم أول من أنشأ منظمات الدعم الإنساني غير الحكومية التي تقدم خدماتها على مستوى عالمي، من مثل الصليب الأحمر الدولي ومنظمة العفو الدولية التي تدافع عن سجناء الرأي ومنظمة أطباء بلا حدود، وما إلى ذلك.

مؤخرا شاهدت جزءا من شريط وثائقي عن محنة اللاجئين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا عن طريق "قوارب الموت". في هذا الشريط كان ثمة نرويجيون أخذوا إجازات من أعمالهم وقدموا إلى اليونان للإسهام في إنقاذ اللاجئين الذين تلقي بهم القوارب هناك. مؤكد أنهم تحملوا نفقات التنقل والإقامة وأن الدافع كان إنسانيا محضا. صحيح أن ملامح بعضهم تشير إلى أنهم من أصول غير غربية، لكن من المؤكد أنهم اكتسبوا هذه الثقافة في الغرب وليس عبر ثقافتهم الأصلية. في الشريط نفسه تأتي مجموعة صغيرة من الذكور والإناث العاملين في السيرك لتقديم مشاهد مضحكة ترفيها عن الأطفال في مخيمات اللاجئين.

قلنا إن ظاهرة التطوع، المتخطي لحواجز الأعراق والأديان واللغات، ظاهرة غربية. لكن علينا أن نحاول إيجاد سبب، على الأقل، تاريخي لنشوء هذه الظاهرة. فهي ليست خاصية ملازمة للإنسان الغربي منذ نشوئه. أعتقد أن الظاهرة متطورة عما كانت تقدمه البعثات الكنسية المسيحية التبشيرية، المرافقة للتوسع الاستعماري الغربي، من مساعدات إنسانية خيرية في مجال الصحة والغذاء والتعليم، وغير ذلك، إلى السكان المحليين في المستعمرات الأوربية. لاحقا، مع سيادة العلمانية، عُلمنت هذه الظاهرة وانتقلت إلى مؤسسات المجتمع المدني العلمانية، ولم تعد محتكرة من قبل الكنيسة.

* جيمس هنري برستد. فجر الضمير. ترجمة الدكتور سليم حسن. مكتبة مصر، الفجالة(د.ت). ص34-35

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات