مُجردُ ذكريات 2

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

صدرت أول جريدة أسبوعية ثقافية في ليبيا مطلع السبعينات، وأسسها ورأس تحريرها الدكتور علي فهمي خشيم، وجلب لإخراجها والرسم فيها أشهر رسامي الصحافة في مصر وعددا من الصحفيين، وكانت حينها ظاهرة بالنسبة لي لفتت نظري وأخذت أحرص على اقتنائها منذ عددها الأول، حين ترأس تحريرها الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه حاولت النشر فيها مطلع عام 1974، وقدمتُ بانوراما عن الأحداث الثقافية الأهم للعام المنصرم، وبقيت العين عليها فمنذ البئر الأولى هوى النفس الصحافة الثقافية.

خلال هذه المرحلة تبوأ الشاعر ومن ثم الكاتب منزلة المثقف الرسول، وغدت الصفحات الثقافية صفحات لمعارك ثقافية وفكرية وأضحت الحداثة لسان حالها، حينها في مدينة بنغازي وفي البلاد كافة كان العدد الأسبوعي لصحيفة "الحقيقة" العدد الذي يتداعك الكُتاب للكتابة فيه والقراء للحصول عليه من طلبة ثانويات وجامعة ومُدرسين ومن نخبة سياسية وهلم، حتى أن تلكم المرحلة جعلت من الكتاب نُجوما كما نجوم الفن والكرة، علَ هذه هي خلفية التكوين الذي أخذني إلى "الأسبوع الثقافي" حيث في أول عام 1978م صار لي مكتب سكرتير تحرير فيها، دون قرار رسمي مارستُ هذه الوظيفة، وجماعة السبعينات الأدبية الشباب زادوا عدة وعددا في "الأسبوع الثقافي" التي كانت توزع تقريبا 20 ألف نسخة في 24 صفحة، لم يعد غيرها من جرائد في البلاد التي كانت تزخر بصحف عدة في المدن، اليتيمة الوحيدة "الأسبوع الثقافي" سينشئ رئيس التحرير لها أختا تدعى "الأسبوع السياسي" التي أصبح سكرتير تحريرها الزميل خليفة خبوش، وقد غدا عبد الرحمن شلقم يطمح أن يجعل من هذا لبنة لمؤسسة صحفية قوية وفاعلة تصدر صحف رأي وثقافية بالأساس، لهذا أضحت الصحيفتان عنده منبرا لجيل جديد وشاب، وذا بمثابة استجابة لما عمل من أجله الثلة التي ساهمت في إنشاء صفحة "آفاق ثقافية- كتابات شابة" اليسارية في توجهها العام.

انطلقتُ في عملٍ لا يكلُّ من أجل جذب الشباب وذلك بإثارة قضايا ثقافية ساخنة حول مفهوم الحداثة والسردية والشعرية وحول علاقة الثقافة بالجماهير

انطلقتُ في عملٍ لا يكلُّ من أجل جذب الشباب وذلك بإثارة قضايا ثقافية ساخنة حول مفهوم الحداثة والسردية والشعرية وحول علاقة الثقافة بالجماهير، وكانت تُعقد ندوة أسبوعية تقريبا لنشرها بالصحيفة يُشارك فيها الكُتاب الشباب من تُنشر نصوصهم وكتاباتهم بها، بدا وكأنه بالإمكان أبدع مما كان رغم الإيجاس والريبة التي تُحيط بنا من قبل رجال النظام من سياسيين وأمنيين وخاصة من الشباب، مقال بعنوان: دع مئة زهرة تتفتح، شعار ماو الشهير يثير زوبعة من ردود الأفعال، قصة قصيرة حول اغتصاب فتاة من قبل شخص نافذ تُؤول بأنها ليبيا اغتصبها الأخ العقيد، اهتمام نبديه بالكُتاب من الأجيال السابقة بمحاورتهم ونشر مقابلات معهم ومنهم من خرج من السجن يثير السخط، أما الكتابة عن أسماء من العالم معروفة بماركسيتها فتجلب الويل وهلم جرا، عند تلك اللحظة كان الأخ العقيد يعمل لأجل تكوين التنظيم السياسي- لحماية الثورة وتطبيق النظرية الثورية- ما أطلق عليه "اللجان الثورية" هذه اللجان التي تملك ولا تحكم حيث الشعب الحاكم من خلال المؤتمرات الشعبية، كم هائل من تخرصات الأخ العقيد التنظيرية والإجرائية غدا يزداد وينمو فيضطرد العسف والعنف والقمع، ثم التنكيل والسجن فالإعدامات المُذاعة عبر التلفزيون في بث مباشر، وفي وضح النهار في الشوارع في الدول الديمقراطية يتم مُطاردة واغتيال المُعارضة الليبية من اللاجئين والمقيمين في تلك البلاد، لقد صدر الفصل الثاني من الكتاب الأخضر/ الركن الاقتصادي!.

في صحيفة "الأسبوع السياسي" شقيقة "الأسبوع الثقافي" ظهر "بوزيد دوردة"، رجل القذافي في كل وقت من تبوأ مناصب رئيس وزراء وعدة وزرات أخرى، ومندوب ليبيا في الأمم المتحدة حتى الأيام الأخيرة للقذافي حين كان رئيس المخابرات، ظهر بمقال بيان مُنددا فيه بجماعة تعمل ضد الثورة ويدعون أنهم ثوريون، وهم قد استولوا على منابر الثورة، بعد نشر المقال البيان بفترة وجيزة أوقف عبد الرحمن شلقم عن العمل وعُين "سعد مجبر" رئيسا للتحرير، وزُج بثمانية عشر شابا- كنتُ من بينهم- من كتاب وصحفيين بالسجن بتهمة الانتماء لـ "حزب ماركسي لينيني" يستهدف إسقاط الثورة والاستيلاء على نظام الحكم التهمة الرائجة حينها، تم توقيفنا لمدة عام ونصف ثم حكم قاض بمحكمة جنايات طرابلس على ستة منا بالبراءة، وأثني عشر بالإعدام المُخفف، ورأفة من الأخ العقيد خُفف إلى المؤبد!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات