"زعْزاعَةُ" ناقة الأمير

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

كنت قد كتبت عن قصص وحكايات لتجارب طبيب بيطري اسمه (ديفيد س. تايلور) ضمّنها كتاب اسمه (تجوال الحوت) صدر سنة 1984، من بين محتوياته قصة ساخرة، حدثت له في قطر عنوانها "ناقة الأمير" وهي التي كانت أثيرة عنده، وقد أصابها إمساك شديد لدرجة أُعلنت معها حالة الطواريء القصوى!. فالناقة امتنعت سبعة أيام عن الطعام والماء، واحتبس الروث وغازاته داخل أمعائها، وكأن منافسها سدت تماما. لم تخرج من الناقة المسكينة ضرطة واحدة تخفف من أزمتها. فبعثوا لها بطبيبنا هذا، الذي كان أصلا قد استُدعي من بريطانيا العظمي للكشف على صقور القصر.

وبعدما وصلت القافلة البيطرية، إلى مرعى الناقة، وفيما كان الطبيب يفحصها من عند مؤخرتها أطلقت عليه مباشرة ريحا سقط على إثرها مغشيا عليه!. ولم يفق إلاّ قبيل العصر. قال للمتحلقين حوله: "هناك انسداد واضح في مصارين الناقة، فالغاز السام الذي خدرني تخمر كثيرا نتيجة هذا الانسداد، والعلاج عملية سريعة..".

يقول بعض الخبثاء أن (الزّعْزاعَةَ) المرعبة التي وصلت ليبيا بعد واحد وثلاثين سنة أساسها ريح ناقة أمير قطر

وما إن ترجم المترجم ما قاله الطبيب حتى صاح المتحلقون كلهم: " أوووه .. عملية لناقة الأمير قد تفقدنا رؤوسنا لو حدث لها مكروه... أوووه.. ورطة" ولكن الطبيب شرع، من دون أن يعرف ما قاله البدو، في تهيئة الناقة، خصوصا بعدما قال الطبيب القطري المساعد العائد مؤخرا من بريطانيا: من حسن الحظ أنك يا دكتور في قطر، فالأمير بالتأكيد لا يريد أن تنفق الناقة، كما أنه لا يسمح بذلك أبدا!." وفي فجر اليوم التالي هيئت الناقة لشق معدتها التي لا يمكن الوصول إليها إلاّ من جانبها الأيسر؛ جزارو النوق يعرفون ذلك جيدا!.

وكان حوالي ستة وعشرون رجلا متحلقين حول الناقة الغائبة عن الوعي والطبيب يفتح بطنها. " كانت وجوههم قاتمة، تعلوها الكوفيات وتحتها الثياب الصوفية الأفغانية ورائحة العرق والتوابل والبصل، وتنوعت الغمغمات بالباشتو والأوردية والعربية والفارسية... وأدخل الطبيب يده في تجويف فتحة المعدة وتحسس أجساما صلبة كالحجارة بحجم البرتقالة، وقال: "لقد عرفت المشكلة. إنها أجسام غريبة، لكنني أجد صعوبة في انتزاعها، وما إن سمع المتحلقون ترجمة ما قاله الطبيب حتى دخلت عشرة أيادي سمراء موضع فتحة الجرح، فصرخ الطبيب: "أخرجوا أيديكم أيها المغفلون!.

فلا نريد عدوى لمعدة الناقة من أيديكم القذرة". فسحبوا أيديهم، وأخرج الطبيب الكور الصلبة التي كانت متصلة بحبل متين وكان عددها أربعة وخمسون كرة.. "وانتهت العملية وخاط الطبيب الجرح. كانت الكور عبارة عن وبرها وأيضا وبر الأبل الأخرى الذي تلعقه الناقة، مثلما تفعل القطط عندما تسترخي في الظل. وقد التف حبل من الحبال التي كانت تحزم أكياس العلف، على الوبر، وبمر السنين تكور وتصلب وبر-الناقة القطرية- والتف حوله حبل البلاستك المستورد من أمريكا، وتشكل العِقد الذي سد منفس الناقة!. يقول الكاتب الطبيب في اليوم التالي، تحسنت حالة الناقه، وتكرعت ثم خرجت منها ريح أهاجت رمال الجزيرة العربية كافة.. ويقال أنها وصلت حتى أفغانستان.

ويقول بعض الخبثاء أن (الزّعْزاعَةَ) المرعبة، التي وصلت ليبيا بعد واحد وثلاثين سنة، أساسها ريح ناقة أمير قطر. وقد عقب حينها الشياب الليبيون البسطاء، الذين انتبهوا إلى مغبة تلك الزّعْزاعَة بأنها ستكون القشة التي ستقسم ظهر (ناقة) الأمير. وأنها "سوف تُفرد إفراد البعير المعبد". وعندما سُئلوا: " لماذا؟" قالوا: " إننا شعب طيب وبسيط لا نصدرالزعزاع ولا نحب أحدأ يصدره إلينا. ثم إن تراب ليبيا حامٍ، وأولياءها الصالحين لا يحبون الزعزاع ودعواتهم تصل السماء مباشرة، والاعتماد على حليب النوق فقط لا يعين الأمراء على زعزاع الشعوب المقدس".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات