كتب الأحلام

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

كثيرا ما تظهر الكتب في أحلامي. بالأحرى "تحضر". وهذا الحضور يبتعد عن أن يكون مريحا. صحيح أنه ليس حضورا مزعجا. ليس حضورا كابوسيا. أجل. لكنه حضور محبِط، أو محبَط. لا فرق. فسواء كان اسم فاعل، أو اسم مفعول فهو حضور مبهِظ للنفس. إنه حضور لا يبل ظمأ الروح إلى السرور والانسجام والسكينة.

أكون أمام كشك لبيع الكتب والمجلات والصحف، به عناوين كتب وأسماء مجلات وصحف تخاطب اهتمامي وتطلعي المعرفي، إلا أن الكشك يكون مغلقا، وأكون أنا على عجلة من أمري، أو يكون الكشك مفتوحا ولا تكون معي نقود!. أدخل مكتبات زاخرة بكتب تغري اهتمامي، لكن جيوبي تكون خاوية.

أقطع مسافات طويلة إلى مكتبات قصية، فأجدها مقفلة، وتأخذ الكتب المصفوفة في العارضات الزجاجية ترمقني في استفزاز. أحيانا أعثر على كتب مهمة ملقاة في طريقي، لكنها تكون متسخة، أو متآكلة، أو ممزقة، بحيث لا أستطيع الاستفادة منها.

أدخل مكتبات زاخرة بكتب تغري اهتمامي لكن جيوبي تكون خاوية

في بعض الحالات أحلم ببعض البيوت التي آوتني وأنا طفل، وطبعا لم تكن لي بها مكتبة، لكن في الحلم يكون ثمة مكتبة بإحدى الحجرات ولا أستطيع نقلها. أحلم بمكتبة في بيتي توجد بها كتب تقع في بؤرة اهتماماتي، وأشعر أنه كان مفترضا بي أن أكون قد قرأتها منذ سنوات، لكنني لم أقرأها وليس لديَّ وقت لقراءتها الآن. أحيانا أبكي وأنتحب في الحلم لأنني منذ مدة لم أتمكن من القراءة.

حين زُج بي، مع مجموعة من الكتاب والمثقفين من جيلي نهاية سنة 1978 في السجن، وتأكدت شخصيا، أو على الأقل رجحت، بأنه سيصدر حكم بإدانتنا وأن الحكم علينا سيكون بالسجن المؤبد، وضعت مخططا عاما يقضي بأن أخصص حوالي سنة للقراءة في مجال معرفي معين (إذا توفرت المادة طبعا). فمثلا: سنة للآنثروبولوجيا.. سنة للفلسفة.. سنة لعلم الاجتماع.. سنة للشعر العربي، وهكذا... لكن الفاشية كانت لنا بالمرصاد.

فتم نقلنا اليوم التالي لصدور الحكم إلى سجن الشرطة العسكرية حيث حيل بيننا وبين الكتب. وطيلة حوالي ثماني سنوات لم يسمح إلا لعدد قليل من الكتب والمجلات بزيارتنا. فضاعت علينا فرصة ثمينة في تمتين وإخصاب تكويننا المعرفي.

وبعد الخروج من السجن أدت ظروف العيش ومعاكسات الحياة دورا سلبيا على طموح القراءة المتوثب. أعتقد أن الحلم بالكتب على هذا النحو المحبط شرع يعاودني في فترة الحرمان من القراءة في السجن، وأخذ يتواتر في ظروف الحياة خارجه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات