مجرد ذكريات

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

(2)
كنتُ في بنغازي عام 1976 وثلة من الزملاء نُعد صفحة "آفاق ثقافية - كتابات شابة" مادة ورسومات وإخراجا على الماكيت الصحفي مرفق بالمادة المبنطة والخطوط الجاهزة، ونرسلهُ بالطائرة من مطار بنينا إلى رئيس التحرير عبد الرحمن شلقم - بطرابلس الغرب، حيث مقر صحيفة الفجر الجديد- الذي يُحيل المادة الصحفية للقسم الفني وكل سبت تكون الصفحة بين يدي القراء.

كيف ومن فعل ذلك؟. جمعٌ من شباب هواة ومحترفين دون تفكير في أي مقابل غير الكتابة وجماليات الكتابة والفن، عند عودتي من "طرابلس الغرب" زرتُ مدن البيضاء والقبة ودرنة التقيت كُتابا في بيوتهم لم أكن أعرفهم جمعتُ كتابات ورسومات كما فعلت في "طرابلس الغرب" و"بنغازي" التي فيها غدا القاص "عبد السلام شهاب" يطبعُ المادة على الآلة الكاتبة في مكتب يعمل به لوقت إضافي للمحاميين "حمد الدرسي، وسميح الأطرش"، يُخرج المادة ويخط الخطوط عبد العزيز تاج الفنان والمخرج الصحفي المصري من ساعتها يعمل مدرسا بالمدينة، ما حينها تعج بكتاب ومثقفين عرب مثل الشاعر محمد القيسي، والكاتب سلطان حطاب، والقاص محمود الريماوي، والصحفي بكر عويضة من فلسطين، ومن مصر والسودان وأرتيريا وسوريا، وبعضهم شارك بالكتابة في الصفحة التي كانت ترفق النصوص برسومات لفنانين: محمد نجيب وفتح الله ربيع... وهلم.

لكن تأتي رياح تحرير الصحفية بما لا تشتهي الروح الشابة المتمردة وغير الحصيفة لقد وضعت العصي في دواليب رئيس التحرير حتى أن عددا من الصفحة لم ينشر، طلب الرئيس أن أكون في المطبخ لأذود عن الصفحة رياح أعداء الثقافة والحداثة والشباب والنجاح فالحرية والحياة، وهل لشاب في مقتبل العمر من ملاذ في وجه عواصف كتلك؟. شددت الرحال إلى "طرابلس الغرب" للمرة الثانية لأكون الصحفي، وفيها بدأت الشغل كغريب يقيم في فندق بغرفة كالزنزانة الانفرادية بمبلغ 66 دينارا شهريا من راتب 117 دينار شهريا طبعا ما يتبقى منه جعلني أقتاتُ السندوتشات، لكن وقدة النفس التواقة وشُعلة الزملاء الشباب جعلت من "آفاق ثقافية- كتابات شابة" الصفحة الثقافية الأبرز، حينها نشرت مرة إعلانا يتكون من نصف الصفحة عن مواد لكتاب جُلهم جدد ستنشر في الأعداد القادمة، بهذا كنت أعتذر للزملاء الشباب الحداثيين من بعثوا مواد كثيرة لم تُنشر بعد، وأبز خصومهم من تقليديين وسلطويين وما خفي كان أعظم.

وفي بيوت الزملاء الكُتاب: "عمر الككلي" و"محمد الفقيه صالح" رفقة "على الرحيبي" و"على الجواشي" و"محمد الهادي الزنتاني" و"عبد الرزاق الماعزي" وغيرهم في حوار ونقاش حامٍ نُعد الصفحة، ونجمع الكتابات التي غدت ترد من مدن البلاد ومن غيرها، أما مقهى "زرياب" وصاحبه "محسن كحيل" فإنه الملتقي بالكتاب المعروفين كأمين مازن، ويوسف القويري، ومحمد أحمد الزوي، والجيلاني طريبشان، وفي مكتبة "دار الكتاب العربي" لصاحبها مصطفي المجعوك لقاء آخر بكتاب آخرين كعبد الله القويري ومحمد على الشويهدي وفي الصحيفة كفاطمة محمود وأحمد الحريري، ومن فلسطين وليد رباح وعلى الخليلي، ومن مصر محسن الخياط ووليد سيف النصر وغيرهم، وجميعهم من الداعمين لما بدا أنهم كُتاب جدد ينبثقون لحظة قيظ صحراوي قاس، عندئذ الأخ العقيد يُنشئ كتابه الأخضر على صرح نظريته العالمية الثالثة التي لا يأتيها الباطل من قدامها ولا من خلفها، أصدر الفصل الأول من "الكتاب الأخضر" تحت عنوان الديمقراطية وقبلها مهد في أبريل 1973م بإعلان ثورته الثقافية وزج في السجن بأعداد من المثقفين منهم الكتاب والأدباء، في هذا الفصل يفصل ثوبا للصحافة التي يملكها المجتمع والمهنية التي تملكها النقابات وما في حكمها، هذا التنظير مجرد لوك ماء فالحاصل حصيلة مزاج القائد المفكر والمعلم الثائر ليس إلا.

"آفاق ثقافية – كتابات شابة " حين أكملت عامها الأول تم خسفها فصحيفة "الفجر الجديد" اليومية التي تحتوي الصفحة حولت إلى مجرد أوراق تنشر أخبار "وكالة الأنباء الليبية" وجزء من طاقم تحريرها - كنت أحدهم- مع رئيس التحرير نُقلوا لصحيفة "الأسبوع الثقافي" وهي العدد الأسبوعي من "الفجر الجديد" ما أمسى جريدة رأي بحسب مُخرجات الأخ القائد، تلقيتُ الخبر حيث كنت أقضي إجازة رأس سنة 1977م بمدينة الأُنس فيينا.ِ

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : عبدالسلام الرقيعي

    19.06.2017 الساعة 23:29

    معذرة نقاط بدت وكأنها نشاز في السرد :- -- عام 1976 لم يكن سميح الأطرش قد تخرج بعد من كلية الحقوق . - اذا كان مرتب الأستاذ فقط 117 دينار ، يدفع منها 66دينار أجرة الفندق ، والباقي ثمن سندوتشات ، ناهيك عن الملابس ومصاريف المواصلات . السؤال هو من الذي يدفع تكاليف الإجازة التي يقضيها الأستاذ متمتعاً بليالي الأنس في فيينا باهضة التكاليف ؟!.