رسائل الود ملح الحياة وسلواها

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

لعلك تتذكر يا صديقي، رسالة صادق النيهوم التي بعثها من هلسنكي إلى خليفه الفاخري في 20/ 5/ 1966. أقصد تلك التي استهلها قائلا:
"أخي يا صديقي
السلام عليك
والسلام عليك مرة أخرى، فأنا أشعر بالشوق إليكم الآن، وإذا كان ثمة ما أحب أن أفعله بصورة مؤكدة، فهو أن أخلع ملابسي وأسبح نحوكم بلا انقطاع. أنا أعرف أنكم بعيدون جدا وأعرف أني لن أصلكم قط، ولكني سأموت وأنا أعرف أني في طريقي إليكم..".

ولعلك تتساءل لماذا أعيد عليك ما سبق وأن قرأناه معا مرات ومرات؟. السبب أنني عدت منذ أيام لقراءة الرسائل المتبادلة بينهما، وأيضا رسائل الفاخري التي بعثها لأصدقائه. أما لماذا عدت إليها فببساطة لأنني قرأت مقالة تتحدث عن رسائل متبادلة ما بين (برنارد شو) وممثلة مشهورة في عصره اسمها (باتريك كامبل) صدرت في كتاب ثم حُولت إلى مسرحية. تقول الكاتبة أن هذه المسرحية البسيطة جعلتها تدرك بصورة جدية أي عالم زاخر يمكن أن يجده المرء في الرسائل المفعمة بالود والصدق عندما تعبر عن العواطف الإنسانية.

وسائل التواصل الحديثة ضيعت روعة تبادل العواطف الإنسانية بين الناس

لقد تذكرت روعة الرسائل البليغة التي مست قلوبنا ولعل تلك التي كتبها الفاخري إلى شقيقه مصطفى كانت هي الأقوى والأبلغ؛ إذ تأثرنا بها حد الحزن الجليل. ولماذا أقول لك ما تعرفه وما ناقشناه معا مرات ومرات؟. أجيبك ببساطة؛ لأن وسائل التواصل الحديثة ضيعت روعة تبادل العواطف الإنسانية بين الناس، صارت "التغريدة" التي لا يمكن تحميلها بأكثر من أسطر قليلة هي التي تناسب سرعة حركة هذا العالم المجنون حقا. فهل تذكر يا صديقي متى كتبت آخر رسالة، كتلك التي كنا نتبادلها في شبابنا؟. لا شك أنك لم تكتب مثلها منذ سنوات لو احتسبتها سوف تصل بك حد الذهول. فأخبرني متى يا صديقي منحت لصديق من أصدقائك المنتشرين في العالم، بعضا من قلبك "الممتلئ ودا ومحبة"؟. متى تنفس بركان عواطفك الجياشة؟ بل ومتى أفرغت القليل من جرابك الطافح بهموم هذا الزمن البائس؟.

لا شك، أنك مثلي، لم تكتب من أمد بعيد؛ تاريخا في أعلى الصفحة ولم تسحب نفسا عميقا وأنت تفكر في منح صديقك وصفا يليق به؟. لأننا منذ سنوات لم نكتب سوى، طلبات تسول من الدولة، أو كلمات نفاق نستهل بها خطابا لتحقيق مكسب تجاري، أو استجداء أن يتكرم من عملنا من أجلهم وتلكأوا في منحنا حقوقنا. الرسائل الدافئة يا صديقي كانت وسيلتنا للتعبير الذاتي العميق عن عواطفنا المكبوتة، كانت الرسائل، والكروت البريدية، هي وسيلة تواصلنا داخل وخارج الوطن.

كيف غفلنا عن تواصلنا من خلال رسائل حميمية تفيض ودا ومحبة واهتماما؟. كيف توقفنا عن متعة كتابة الرسائل ونسينا تماما الحاجة إلى البوح بعواطفنا لأصدقائنا سواء عن الحب أو العقيدة أو الصداقة.. أو الله؟. كيف نسينا أن كلمات الود الدافئة التي تصلنا من أصدقائنا هي بلسم شاف لعواطف النفس الجريحة.

بالمقالة التي ذكرت تقول الكاتبة، أن الكاتب (جورج اليوت) كتب إلى صديق يقول: "لست أهوى أن أكون محبوبا فحسب، بل أن يقال لي أنك محبوب. إن مملكة الصمت شاسعة بما فيه الكفاية هناك وراء القبر، أما هنا فإنه عالم الضوء والكلمة. وسوف أسمح لنفسي أن أقول لك أنك عزيز جدا على نفسي".

ولأنك يا صديقي بالفعل "عزيز جدا على نفسي" ولأنك تعشق الله والحق والجمال، ولأنني أُخذت بالنص التالي، الذي بدا لي وكأنه ابتهال مناسب لتختتم به أية صلاة، رأيت أن أبعثه لك لتشكر الله، مثلما أفعل، لأنه أنار قلبي مثلما أنار قلبك بحب الكلمة وبهجة الحياة، يقول النص: "يا إلهي.. أشكرك على ما حبوتني به من العيش في عالم مملوء بالجمال والتنوع والإثارة، أشكرك على منحة الحب الذي أحس به مُحبا ومحبوبا.

أشكرك على ما منحتني من أصدقاء. على الخضرة والأشجار والأرض، ومعزوفة الماء المنساب في الجوابي وخريره وغناء الضفادع

أشكرك على ما منحتني من أصدقاء. على الخضرة والأشجار والأرض، ومعزوفة الماء المنساب في الجوابي وخريره وغناء الضفادع. أشكرك على جمال الحيوانات: الأبقار التي لا ترفع أعناقها من على العشب إلاّ لتتفقد عجولها، على الخراف بفرائها الأبيض الناعم، وهي تتحرك بجانب أمهاتها منحنية تارة أسفل أضرعها وتارة جذلى فوق العشب الغض المزدان بنوار الأقحوان. أشكرك على بهجة الموسيقى والشعر.

على المواهب التي تمنحها للمبدعين. أشكرك على المطر، وعلى الخيرات التي تصلنا من بعد اهتزاز الأرض، من بعد نزول الماء، وإنباتها من كل زوج بهيج. أشكرك على جمال الفصول وتعاقبها. أشكرك على الابتسامة المشرقة التي منحتها لأمهاتنا، على دفء يد الصديق، وضحكات الأطفال. أشكرك على القلوب التي منحتها لعبادك فجعلت طيبتهم وإدراكهم تفوق رذائلهم وحسدهم وخداعهم. أشكرك أنك جعلت لي بصرا يرى نورك وأذنين تسمعان كلماتك. وعقلا يدرك أن الحياة بهجة متجددة، وأنك منحتها لنا كاملة غير منقوصة. أشكرك يا إلهي، في قيامي ونومي وحضوري وغيابي أشكرك على نعمة الحياة. أشكرك أنك جعلتنا أحسن مخلوقاتك".

وختاما أمنتك الله يا أروع الرجال، أنت والبقية الباقية من أصدقائنا النبلاء وسلاما لك ولهم وعليهم.
أخوك المخلص محمد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    5.06.2017 الساعة 23:27

    رسائل الود ملح الحياة وسلواها (اصبحت خراف للسمار )..سيد العمامي ابشرك بان مرتع صباك المبكر حيث كنت ورفاق صباك تطاردون الخليش والسمان. اصبح الان محررا وتحت يد أبناء الوطن المنضويين تحت لواء جيشنا الوطني

  • بواسطة : Dia

    5.06.2017 الساعة 22:09

    شكرا سيد محمد عقيلة.