الموت يغيب نصيرا للحياة: الشاعر محمد الفقيه صالح

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

ها أننا قد وصلنا مرحلة من العمر صرنا نضع فيها قوائم الأصدقاء الذين رحلوا دون أن يتركوا أملا بلقاء قادم. كما أننا ننتظر أن ندخل قوائم أصدقاء آخرين.
ها أنني أحصي:
الصديق المرح أبو القاسم المزداوي.
الشاعر المعاند السنوسي حبيب.
المخرج المسرحي المرهف محمد العلاقي.
صديق الطفولة النقي والوفي إبراهيم اليعقوبي.

الصديق الشهم عبد الله صالح العوامي، الذي أودت به علاقته معي إلى البقاء في السجن حوالي سنة ونصف، وتغير مسار حياته جراء ذلك. الصديق النبيل، هش الجسد متين العزيمة، رفيق محنة السجن إدريس المسماري. وبالأمس فقط، الشاعر المبدع والمثقف النابه، رفيق محنة السجن أيضا، الصديق محمد الفقيه صالح.
**
تعرفت على محمد الفقيه صالح سنة 1971 في مدرسة زاوية الدهماني الثانوية، عن طريق الصديق النشط البارع في مد جسور العلاقات عاشور الطويبي. كنا أنا وعاشور بالسنة الأولى الثانوية وكان محمد بالسنة الثالثة. ومن يومها توطدت علاقتنا نحن الثلاثة، واستدامت، رغم ما تعرضت له من اختبارات.

كان دائما حين يتناول محاولات أدبية لمبتدئين يركز على مناطق وإشارات الوعد في العمل والنظر إلى مستقبل الحركة الوطنية الثقافية

أوفد هو للدراسة في القاهرة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وبقينا أنا وعاشور. لكن ظللنا نتبادل الرسائل (غالبا نكتب أنا وعاشور رسائل مشتركة إليه)، وفي العطلات الصيفية كنا نلتقي ثلاثتنا كثيرا، في مربوعة بيتهم أو مربوعة بيتنا، وحدنا أو صحبة أصدقاء آخرين.

وفي مصر انخرط في الحراك الثقافي الطلابي وأسهم مع مجايليه من الشعراء المصريين الطالعين حينها، من مثل حلمي سالم ورفعت سلام والراحل باكرا على قنديل وأمجد ريان، في بلورة ظاهرة شعرية متميزة وأسهم مع هؤلاء وغيرهم بالكتابة في المجلة الشعرية الصغيرة "إضاءة 77".

كان واضحا منذ اللقاء الأول أنه متقدم ، على الأقل عني أنا، في ثقافته وعمق تفكيره وفي رصانته المنهجية واتساع أفقه. وأعترف أنه أسهم، إلى حد كبير، في تحليَّ أنا شخصيا بعدم التسرع في إلقاء الأحكام وبالاجتهاد في اكتشاف مناطق الإضاءة والأمل في الأشياء والمسائل، وتوخي الإنصاف.

كان دائما حين يتناول محاولات أدبية لمبتدئين يركز على مناطق وإشارات الوعد في العمل والنظر إلى مستقبل الحركة الوطنية الثقافية. ومنذ فترة مبكرة اهتم بالكتابة النقدية المنصفة المسؤولة، وكانت لغته في هذه الكتابات دقيقة ومكتنزة بالمعنى وراقية جماليا.

ثم زُج بنا في السجن. زَج بنا فيه الفاشيون الغوغائيون المعادون للثقافة، وحكم علينا بالسجن المؤبد. لقد كان هدف هؤلاء الفاشيين من سجننا، كمجموعة من الكتاب والمثقفين غير السائرين في ركاب النظام، تعطيل عقولنا والقضاء علينا ثقافيا وشل إرادتنا. لكننا، رغم كل خسائرنا، خيبنا توقعهم.

في السجن كان محل احترام وتقدير الجميع، وظل قامة ثقافية بارزة، وكانت كتاباته الشعرية والنثرية علامات إبداعية وفكرية. بتاريخ 2. 4. الماضي اتصل بي هاتفيا من أسبانيا ليطمئن عليَّ ويشكرني على مقالي الذي كتبته عن كتابه النقدي الأخير "في الثقافة الليبية المعاصرة: ملامح ومتابعات" وأبدى إعجابه بالمقال الذي اعتبره أنه قبض على ما هو جوهري في الكتاب، ولامني كثيرا على عدم كتابتي أعمالا قصصية منذ سنوات.

سألته عن حالته الصحية فقال بأنها في تحسن واضح مستمر. لكن التعب والإرهاق، وكذلك المكابرة، لم تكن خافية في نبرة صوته. ومع ذلك، لم أكن أتوقع (أو أبعدت عني أي توقع) أنني أسمع صوته للمرة الأخيرة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات