سوق الشعارات المنتهية الصلاحية

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

"ما يحدث في ليبيا شأن داخلي" كم تستفزني هذه العبارة التي تلوكها الألسن كثيرا، والخديعة التي اختارها الكاتب أحمد الفيتوري عنوانا لمقالته "خدعوك فقالوا: إن ما يحدث في ليبيا شأنٌ داخلي!" المنشورة ببوابة الوسط ـ الأربعاء 31 مايو 2017، والتي ينبه فيها لمن يمارسون متعة التناسي أنه لم يكن لليبيا شأن داخلي منذ صدور القرار 1973، الذي اتحدت فيه القوى الكبرى والمنظمات الدولية والإقليمية لأول مرة من أجل قضية، ويذهب إلى قول أن النظام الذي أسهم هذا القرار في إسقاطه هو نفسه صاحب فكرة (اللادولة) التي لم يكن لها يوما شأن داخلي، ومنذ بداية الحراك كرر الفيتوري في عديد كتاباته أن ليبيا كانت دائما ربيبة الأمم المتحدة وستظل.

كم تستفزني هذه العبارة وعبارات أخرى تتكرر كالهتافات، مثل، ليبيا نسيج واحد، أو لا تفريط في السيادة الوطنية، أو الأمن القومي أولوية، أو غيرها من العبارات التي تلاك مثل اللبان المر، غير التعريف المضحك الذي عادة ما يظهر تحت متحدث في القنوات الفضائية "مهتم بالشأن العام" وهو توصيف ناتج عن انعدام أية صفة علمية أو فكرية أو أكاديمية لهذا المتحدث الهاوي الذي يحلل الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية والإستراتيجية والعلم ـ نفسية، دون أن يقول في النهاية جملة مفيدة أو غير مفيدة.

كم تستفزني هذه العبارة وعبارات أخرى تتكرر كالهتافات مثل ليبيا نسيج واحد أو لا تفريط في السيادة الوطنية

هذه المسلمات أو التركيبات اللغوية التي تتحول مع الوقت إلى سيوف يتبارز بها الجميع على حلبات الإعلام تختزل الأمور المعقدة في كليشيه فارغ من المضمون، أو تجعل المتحدث يبني كل حديثه وصراخه وشتائمه واتهاماته على فكرة خاطئة أو مشوشة، وبالتالي فكل ما يبنى على هذه الفكرة سيكون مشوَّشَا ومشوِّشا رغم الصوت العالي وعرق الحقيقة المطلقة الذي يتصبب من الجباه.

يذكر الفيتوري تلك المنظمات الرسمية التي تدخلت منذ البداية في الشأن الداخلي والشأن الخارجي وحتى الشأن الأسري، "أمريكا والناتو، والجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي" ويا ليت الأمور توقفت عند هذا الحد، لكن هذه المساحة الجغرافية الهائلة؛ التي تركها النظام خالية من أي بديل، أصبحت ملعبا لقوى إقليمية صغيرة وعصابات متمردة كانت تهيم على الحدود مثل حركة العدل والمساواة والمعارضة التشادية، بل أن ليبيا أصبحت شأنا مهما للمهربين الذين تمتد جذورهم إلى قراصنة الصحراء والبحر وإلى قطاع الطرق وتجار الرقيق بين ضفاف المتوسط، كما أصبحت ليبيا شأنا استراتيجيا للمجرمين الهاربين من سجون ما بعد الربيع العربي في ليبيا وتونس ومصر والذين تحولوا إلى عصابات تتعامل مع بعض الساسة ورجال الأعمال ومع بعض القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في أحداث ليبيا، إضافة إلى أولئك العائدين من حروب أفغانستان والعراق من تنظيمات يضعها المجتمع الدولي على قائمة الإرهاب وتحولوا بين يوم وليلة إلى شخصيات سياسية ودبلوماسية يقدمها هذا المجتمع بقوة على طاولات الحوار الوطني ويضع صورها الملونة على أغلفة جرائده ومجلاته، وكأن ما بعد فبراير كان خطة مدروسة لإعادة تدوير الجريمة والإرهاب وكل نفايات المجتمع المتراكمة.

لم تكن فبراير شأنا داخليا كما أشار الفيتوري، بل وحين نعود إلى الخلف قرونا كاملة سنجد أن هذا المكان من العالم الواقع بين ليبيا وتونس لم يتحكم في شأنه الداخلي أبدا. من تبعيته لمدة قرون للإمبراطورية العثمانية إلى تحوله إلى شاطئ رابع للإمبراطورية الرومانية التي حاولت أن تعود عن طريق الفاشية الأصلية الإيطالية، وحتى بعد أن حصلت ليبيا على استقلالها كانت تدار بفعل كل هذه القوى التي اختارت لها أن تكون فيدرالية لفترة، ثم عدلت دستورها ووحدتها وفق رغبة دول شركات النفط العاملة في ليبيا، إلى أن جاء الانقلاب العسكري المدعوم بمخابرات هذه الدول ليعمل هذا الانقلاب الذي شكك في الاستقلال الليبي على إخفاء ليبيا هذه المرة من الخارطة العالمية عبر تذويبها في سياقات جغرافية أو تاريخية، قومية تارة وإسلامية تارة وأفريقية تارة أخرى، لتنتهي بالدعوة إلى إقامة دولة فاطمية في الشمال الأفريقي، وطيلة عقود كانت ليبيا مجرد مكتب لإدارة شؤون القلاقل في مناطق أخرى، واستمر شأنها الداخلي مؤجلا حتى يتم تحرير العالم، وتحولت بفعل هذا النزوع الجيفاري إلى أن تكون ليبيا، أو بالأحرى الجماهيرية، كورشة داعمة للإرهاب العالمي حينما كان المقصود بالإرهاب كل حركات التمرد في قارات العالم، وقبل أن تحتكر هذا المصطلح الجماعات التي تتخذ من الإسلام أو تطبيق الشريعة ذريعة لاستخدامها العنف وارتكاب المذابح دون تفريق.

مثل هذه الكليشيهات سلع منتهية الصلاحية يتاجر بها سماسرة الوطن في أسواق السياسة الشعبية التي تبيع كل شيء مسروق

لاحقتنا شبهة الإرهاب لفترة طويلة وأصبح أي مواطن ليبي يحط في دولة أخرى متهما بكونه إرهابيا حتى يثبت العكس، تلاحقه الشبهة بسبب جنسيته وجواز سفره حتى وإن كان شاعرا مدعوا رسميا إلى مهرجان شعري في دولة أوروبية.

في هذا العالم الجديد؛ عالم الثورة المعلوماتية والعولمة والشركات المتعددة الجنسية المخترقة للحدود، عالم من الممكن أن يفجر فيه صبي أو شاب ساءت تربيته في إحدى عشوائيات العالم الثالث حفلا غنائيا في، أو يوقف شبكة قطارات ليوم كامل أو يدهس بشاحنة متسوقين في عواصم أروبية، في مثل هكذا عالم أصبحت مقولة الشأن الداخلي خرافة، وحتى السيادة الوطنية أصبحت مفهوما نسبياً.

وفي هذا الزمن الذي تتهم فيه روسيا بالتدخل في الانتخابات الأمريكية، بل والمساهمة في إيصال ترامب لأعلى منصب في أقوى دولة على مر التاريخ البشري، أو بالتدخل في انتخابات فرنسا الأخيرة، بينما تتعرض فيه روسيا، ثاني قوة في العالم، إلى عقوبات بسبب اعتبارها لتأمين حدودها شأنها الداخلي، لم يعد الشأن الداخلي مسيطرا عليه من قبل أقوى الدول، ما بالك في مجتمعات بلا دولة مازالت تتحارب على طرق التهريب والمخدرات وأبار الزفت، ومازالت تنتظر رغيفها ودواءها يأتي من خلف البحر أو المحيط، دولة على تخوم الفشل تتحول إلى مصدر قلاقل للمنطقة وجيرانها، وليس ببعيد عنا ذلك الشعار الرنان الذي طالما تاجر به صدام حسين الذي اعتبر حتى غزوه للكويت شأنا داخلياً حتى فتشوا غرفة نومه ووضعوا كشافا ضوئيا داخل فمه.

مثل هذه الكليشيهات سلع منتهية الصلاحية يتاجر بها سماسرة الوطن في أسواق السياسة الشعبية التي تبيع كل شيء مسروق، من قطع الغيار إلى المواقف إلى المفاهيم المترجمة بشكل رديء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات