اللهم أهدهم فإنهم منا

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

يبدو أن الدعاء الذي كان أول ما قرأته صباح هذا اليوم، من على صفحة الأستاذ عبد القادر غوقة، كان قد كتبه من بعد صلاة الفجر المبارك الذي تصادف أنه أول أيام شهر رمضان، وقال فيه:

"صباح الخير: لقد منّ الله علينا ببلوغ شهر رمضان الذي اختص به نفسه فجعله شهره كما أبلغنا رسوله صلى الله عليه وسلم: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم.. فهو لي وأنا أجزي به. نسأل الله تعالي بحرمة شهره العظيم أن يغفر لموتانا. ويهبنا القدرة على طاعته .. والقوة على كبح جماح شهواتنا. ورغباتنا... فلا نرفع من شأن الدنيا. ونجعل هواها إلاهنا. فنضل الطريق ونعصي الخالق. كما فعل بعضنا.. فقتلوا فظلموا وغشوا وسرقوا واغتصبوا حقوق الآخرين، وعاثوا في الأرض فسادا.. اللهم أهدهم فإنهم منا. واغفر لهم إن أطاعوك وتابوا.. وإلا فامنحنا القوة لننتصر عليهم.. واجعل في هذا الشهر المبارك نهاية تسلطهم وعدوانهم.. وبداية انتصارنا.. وعزة وسلامة وأمن وطننا ولك العزة ولرسولك وللمتقين.. اللهم نصرك الذي وعدت.. اللهم نصرك الذي وعدت".

لقد استوقفتني جملة في هذا الدعاء لمست قناعة، أردد فكرتها كلما ناقشتُ ما له علاقة بتشظينا وصراعنا الذي وصل حدا العار. والمصادفة أنها كانت محور مشاركتي الليلة السابقة في حوار بقناة ليبيا روحها الوطن. إن المتحاربين "منا" جميعهم ليبيون، بل أخبرني صديق أنه يعرف شقيقين كل منهما في كتيبة.

ظللت منذ انقشاع غبار ثورة فبراير وبروز مشكلة السلاح، وظهور الكتائب وتكاثرها مهموما بقناعة لن يحيدني عنها أحد، وهي أننا بمختلف توجهاتنا ننتمي إلى ليبيا.. كلنا ليبيون؛ الطيبون منا والأشرار: دعاة الملكية، والمقتنعون بالقذافي والفبراريون، والذين انسلخوا عنهم، من بعد هذه السنوات الست العجاف هذه. الذين ثاروا والذين سرقوا الثورة، الليبراليون، ودعاة الإسلام السياسي، ودعاة الدولة المدنية. كلهم بمختلف توجهاتهم ليبيون. لهم جميعا الحق في طرح وجهات نظرهم وتقديم مشاريعهم ومحاولة إقناعنا بها من خلال الحوار. أما من يريد أن يفرض قناعته بالسلاح والقتل فهو عدونا الحقيقي. وحتى نستطيع مواجهته والوقوف أمام مشاريعه ينبغي أن يكون لنا جيش يدافع عن خياراتنا والقوانين التي نقررها والدستور الذي نختاره ويتصدى لكل من يخالفها. ذلك من دون شك يتم من خلال الحوار ومن دون تهميش أحد.

الأستاذ عبد القادر غوقة سبّق الدعاء لهداية ذوي الرؤية الأحادية المتطرفة، لكل من جنح ومارس الظلم والقتل والسرقة وخالف تطلعات وقناعات أبناء بلده؛ لأنهم (منا) ثم ألحقها بالدعوة للانتصار عليهم، إن لم يرجعوا عن غيهم. لم يحدد أحد سواء أكانوا من الشرق أو الغرب أو الجنوب، سواء أكانوا داخل الوطن أو خارجه، مهاجرا أو نازحا أو أنه لا يريد أن يكون جزءا من هذا العار الذي وصل حد وصفنا بالدولة الفاشلة.

ما حدث في طرابلس مطلع ليلة هذا الشهر المبارك أمر مرعب. ومتوقع في ظل هذه الحكومات المتناحرة، وهذا الكم من الكتائب المسلحة التي قلنا مرارا أن لكل منها رؤية وهدفا. إنها كتائب مسلحة ولم يتوقف دعمها من جهات متنوعة من الداخل ومن الخارج أيضا، ناهيك أنها لا تتبع سلطة غير قادتها، واستمرارها على هذا النحو سوف يزج بنا في أتون حرب قذرة؛ فأي شيء أقذر من تقاتل الأخوة؟. وأي مصيبة أكثر من الحرب الأهلية؟

ولقد دعتني، هاتفيا، القناة التي ذكرت، للمساهمة في نقاش حول ما كان يحدث في طرابلس وقلت رأيي الذي لخصته من دون أن أنفخ في النار وأسكب الزيت عليها. لم أتطرق أبدا لمن هم في هذا الصف أو في الآخر، لم أحدد لا الطيبين ولا الأشرار. أو من هم في الشرق أو الغرب، أو في الداخل أو الخارج لأنني أعرف من كان في الخارج أصبح في الداخل، ومن كان في الداخل انتقل إلى الخارج. الفرق الآن بين الحالتين هو خيار انتقاه المواطن الآن؛ بعكس أيام زمان، من دون ضغط من أحد. فالهجرة في كلا الحالتين أكرمنا بها الله، عز وجل وأكد لنا أن أرض الله واسعة: هجرة الليبيين أيام إيطاليا كانت هربا من ضيم الاستعمار، ثم صارت في عهد القذافي هدفا لكل انسان مُسالم لم يقتنع بخدمة عسكرية مشبوهة، أو بتعبئة جماهيرية أحادية الرأي، أو لمن يريد مساعدة مجاهدين، وتولى قضية لا علاقة لنا بها، أو لأشياء أخرى يصعب تحديدها، ولكنها لا تخفى على أحد. منهم من عاد وساهم في إسقاط القذافي ومنهم من تربص حتى استولى على مقدرات البلاد ومنهم من مازال متربصا، وكلهم ليبيون.

هناك نماذج كثيرة قلبها على وطنها ولكنها مثلي لا تحب الرصاص الذي يثقب جسدا خلقه الله في أحسن تقويم. ولا تحب السلاح ولا لغته، وإنما تدعو إلى تقديم العقل وتحكيمه، وإلى التهدئة، ودعم الحوار لأنه بالتحديد هو ما أوصل الإنسانية إلى ما وصلت إليه. وهم يعلمون، مثلي، أن قادة حاملي السلاح كلهم ليبيون، يعني (منا) وأن أعدادا كبيرة من مقاتليهم ليبيون (منا) ويعلمون أيضا أن من بينهم من ليسوا ليبيين.

حق هؤلاء الليبيين علينا هو الدعاء لهم أن يهديهم الله قبل أن ننتصر عليهم ونزيد من الثكالى والأيتام ومبتوري الأطراف وزرع القنابل الموقوتة ممتلئة أحقادا وانتقاما في رؤوس أطفالهم.

أكرر صادقا مع الأستاذ غوقة "اللهم أهدهم فهم منا". وكل سنة والليبيون في الداخل والخارج، والأمة الإسلامية بخير.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات