حول الكرامة الإنسانية

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

نتداول لفظة "الكرامة"، هكذا عارية عن أي وصف، أو تعبير "الكرامة الإنسانية"، ويعتبر الأفراد، وحتى الشعوب، كرامتهم "خطا أحمر" حمرة الدماء التي يمكن أن تسيل، أوتسال، دونها.

لكن، ما هي الكرامة؟!
تستعصي لفظة الكرامة على التعريف. ذلك أن الكرامة "ليست مفهوما وصفيا descriptive. فالقول بأن الكائنات البشرية كلها ذات كرامة لا يعادل القول، مثلا، أن جميع الكائنات البشرية لها ملامح بيولوجية معينة يحملها الإنسان العاقل homo sapiens.

مفهوم الكرامة هو، بالأحرى، إضفائي ascriptive. إنه يعبر عن ويضفي حكم قيمة (أخلاقية) إيجابية"*. كما أن "الكرامة الإنسانية ليست مفهوما محددا على النحو الذي يحدد به الإلكترون أو الهيموغلوبين [...] فاعتبارنا رفاقنا البشر جديرين بالكرامة وأن نعتبر نحن أنفسنا جديرين بمعاملة كريمة أمر مهم لنا. إلا أن ما يقتضيه ذلك يظل غير معرف بدقة"(99:1)**.

هذا يجعل "الكرامة الإنسانية تبدو كما لو أنها أمر بديهي axiomatic لا يحتاج إلى دفاع نظري. كل ما يتطلبه أن يترجم إلى حقوق مكينة established rights تتم المحافظة عليها في مواجهة محاولات إبقاء الناس في مكانة دنيا وإنكار دَيْنهم [علينا]." (1:2)

لكن تظل الكرامة، رغم ذلك، مطلبا إنسانيا لازما للفرد والجماعة، وتظل مرتبطة ارتباطا صميما بحقوق الإنسان الأساسية غير القابلة للتصرف، وتبقى مرتبطة بالمساواة بين البشر أفرادا وجماعات وأمما، وبعدم التمييز بين البشر لأسباب دينية أو عرقية أو لونية، ومتعلقة بحق المواطنة والعيش الكريم...إلخ. ولعل استعصاءها على الحشر في تعريف جامع مانع هو ما يمنحها هذه الأهمية ويمكنها من التغلغل في مناحي الحياة الإنسانية، الفردية والجماعية، قاطبة.

وتحقيق الكرامة الإنسانية مطلب ملح لأن "الهمجية والوحشية كانت طوال الزمن سمة من سمات البشرية" (18:3)، إلا أن "فكرة الكرامة بحد ذاتها ليست طوباوية، أيا كان بعد المجتمعات الإنسانية الغابرة عن توقير ما نعتبره الآن كرامة بشرية، وأيا كان بعد بعض المجتمعات الحالية أيضا." (x:2). كما أن "كرامة الفرد لا تتطلب الكثير، إلا أن الكثيرين من أولئك المقاومين لدعواها يتصرفون كما لو طلب منهم التخلي عن كل شيء." (x:2). ومن الضروري الاعتراف بأنه في الزمن الراهن"ما من مجتمع تحققت فيه كرامة الفرد تحققا كاملا، على الرغم من أن بعضها اقترب من ذلك أكثر من البعض الآخر."(i:2).

في الدساتير المعاصرة يعود الفضل إلى الآيرلنديين كونهم أدخلوا مفهوم الكرامة في دستور 1937، تلاهم الألمان الذين أدخلو هذا المبدأ في دستور ألمانيا الاتحادية الصادر سنة 1949.

من ناحية الفكر الفلسفي يعتبر الفيلسوف الصيني كونفشيوس (479-551 ق. م) أول فيلسوف معروف تناول مسألة الكرامة الإنسانية أو البشرية. ورغم أن هذا المفهوم "لم يرد بشكل واضح في نصوص كونفشيوس ولم يوضح من قبل شارحيه، إلا أنه يعد، رغم ذلك، المفهوم الأكثر ملاءمة لتفسير الكونفشيوسية التي اكتشفت كرامة الإنسان في فضائله المحايثة التي يتفرد بها النوع الإنساني والتي تمكن كل رجل أو امرأة من العيش حياة لائقة أخلاقيا وماديا." (4). ويرد مفهوم ‘‘الكرامة‘‘ في الأخلاق الكونفشيوسية (4) بمعنى الكرامة المتأصلة التي يعتبر بها الإنسان إنسانا. كما أنها تستخدم باعتبارها شيئا مكتسبا ومنمىً كفضيلة، كخير إنساني متميز.

أما في الفلسفة الغربية فقد ورد المفهوم للمرة الأولى لدى الرواقيين (352:5)، الذين يعتبر زينون (344-262ق.م) مؤسسا لفلسفتهم، حيثوا أكدوا على أهمية العقل المتأصل في الكائن الإنساني. فالعقل عندهم جزء من الألوهية مبثوث فينا. وبمقتضى ما لدى الإنسان من قدرات عقلية فإنه يمتلك أهمية غير محدودة. لا يختلف في ذلك الذكر عن الأنثى ولا العبد عن الحر ولا الملك عن الفلاح. ذلك أن كرامة العقل جديرة بالاحترام أينما وجدت.

لكن أقدم ما وصل إلينا من قوانين (6) راعت "الكرامة الإنسانية" يعود إلى حضارة وادي الرافدين، مثلما ورد في المدونة التمهيدية للقانون من الألفية الثالثة قبل الميلاد (مجموعة قوانين أوروكاجينا، وجوديا، وأور-نامو وأشنونا وليبت عشتار." (6: 28). أما قانون حمورابي (حوالي 1800 ق. م.) فيولي اهتماما دائما بالأرامل والأيتام والفقراء (6). ورغم قسوة وتشدد قانون العقوبات الآشوري الذي يسمح لهذا المجتمع بإلقاء الأسرى للوحوش الضارية، إلا أن هذا القانون ذاته أولى اهتماما بالعدل [قرين الكرامة الإنسانية] إلى درجة منقطعة النظير.. "ويبدو أن الإحساس بالعدل مقدم على الشفقة والرفق في قلب الإنسان" مثلما يقول جيوالايوم كاردسشا(2: 30).

ورغم رحلة الكرامة الإنسانية هذه والنضالات القاسية التي خيضت من أجلها والأعداد الهائلة من البشر الذين قضوا دفاعا عنها، فإننا نرى مزيدا من الانتهاكات المتنوعة والشديدة الضراوة التي تتعرض لها الكرامة الفردية والجماعية لدى شعوبنا العربية والإسلامية.

* للأسف، تاه عنا المصدر الذي ترجمنا منه هذا المقتطف!
** يشير الرقم الأول إلى رقم المرجع الوارد في القائمة أدناه، ويشير الرقم الثاني إلى الصفحة المنقول عنها.
1- Patricia S. Churchland, Human Dignity from a Neurophilosophical Perspective. In: Human dignity and bioethics, Essays Commissioned
by the President’s Councilon Bioethics, 2008.
2- George Kateb, Human Dignity, The Belknap Press of Harvard University Press, 2011
3- هنري أوتلان، المعرفة والفخار ومسألة الكرامة البشرية، في مجلة "ديوجين" ع 215/ 159 المخصص لـ "قضية الكرامة" (النسخة العربية).
4- Qianfan Zhang, The idea of human dignity in classical Chinese philosophy: A reconstruction of Confucianism. (https://www.blackwellpublishing.com/content/bpl_images/Journal_Samples/JOCP0301-8121~27~3/019.PDF)
5- Martha Nussbaum, Human dignity and political entitlements, In: Human dignity and bioethics, Essays Commissioned by the President’s Councilon Bioethics, 2008.
6- جوزيف يعقوب. كرامة الفرد والشعوب: مساهمة بلاد الرافدين والتراث الإنساني، في: مجلة "ديوجين" ع 215/ 159 المخصص لـ "قضية الكرامة" (النسخة العربية).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات