الإسلام المصري

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

حين انتقل الإسلام من الجزيرة إلى مصر، بما سمي في التاريخ بالفتح الإسلامي، كتخفيف من وطأة وصف الغزو العربي البدوي لإحدى أعظم الحضارات التي قامت فوق الأرض، بدأ يكتسب خصوصية المجتمع المصري العريق، فتخلى عن تجهمه الصحراوي ليكتسب مرح وخفة دم أهل النيل، وليفرض عليه المجتمع الزراعي المستقر من آلاف السنين نوعا من الواقعية، التي تمزج بين روحانيته وضرورات العيش الدنيوي لمجتمع عاش عاشقا للحياة في ظل مقابر ملوكه الفارهة والمؤمنة بالحياة الأخرى.

وفي قلب هذه الواقعية التي عاشها الكثير من المصريين ممن اعتنقوا الدين الجديد تحت وطأة ما كان يسمى بالجزية، أو الذين لم يجدوا تناقضا في الجوهر بين التاريخ الروحي والعقيدة الجديدة، ومن الأقباط، سكان مصر الأصليين، الذين ظلوا على دينهم وعقيدتهم الراسخة، تشكلت هوية روحية شاملة استطاعت أن تجعل القبطي والمسلم واليهودي والملحد جيران، جدران بيوتهم متلاصقة، لأن الروح المصرية المرحة في طبيعتها لم تكن لتجد فجوة كبيرة بين عقائد الأرض كافية للخصام أو لهدر الدماء.

لكن الصحراء ما فتئت دوريا، وفي مرات عدة، تبعث بغبارها الخشن إلى هذه الطراوة التي نشأت على ضفاف النيل، ووسط الغيطان الخضراء التي على النساء والرجال أن يكونوا في قلبها يوميا كي يحصلوا على لقمة العيش وكي تستمر الحياة، وتلك الغزوات كانت تحاول أن تثير الضغينة بين المصريين الذين ينتمون لروح المكان الواحد مهما تعددت أعراقه أو أديانه، هذه الروح العتيقة التي نمذجها الملوك في معمار مقابرهم حين جعلوها أسطورة ومعجزة هندسية فوق الأرض، وفي علم التحنيط الذي أرسى أول قواعد الكيمياء حين تكون راعية للهوية، وكأنها تقول هذه هي الروح المصرية التي تجعل حتى من طقوس الموت فناً وجمالا ومعماراً. كان المكان المتماسك بأسطورته يتغلب كل مرة على محاولات تصديعه الوافدة، لذلك شكلت مصر البوتقة الوحيدة في قلب هذا الامتداد الصحراوي للانصهار الوطني، وحين تقيم ردحا من الزمن أو حتى عقداً منه ستصبح تلقائيا مصرياً، ما جعل هذه الأرض ملاذا لكثير من الجاليات المضطهدة من أصقاع الأرض.

لذلك كانت مصر محجة كل الخيال والإبداع والمعرفة الباحثة عن طمي خصب تزرع فيه بذورها، فجاء، نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن الماضي، المسرحيون من الشام والصحفيون والسينمائيون والموسيقيون، ليسهموا مع المصريين في التأسيس لكل هذه الفنون والمعارف التي شكلت مخيال أجيال متتالية وأثرت في كل المحيط العربي، وشكلت هذه الحقبة الثرية نموذجا لهذا الانصهار الوطني والثقافي والفني، وكان من ميزة مصر لهجتها التي من السهل أن يجيدها من أقام شهورا فيها، ولأن اللهجة أو اللغة قد تخلق عزلة أو حدوداً، فانسيابية اللهجة المصرية وسهولتها تجاوزت هذا العائق لتصبح هوية مكتسبة تلقائيا لكل من هبط مصرَ.

بهذا المعنى تشكل ما يمكن أن نسميه الإسلام المصري، الذي مزج بين الروح المصرية العتيقة وبين العقيدة الجديدة، وكما أسلفت اكتسب هذا الإسلام مرح الروح المصرية، وقدرتها على التناغم مع كل المكونات، واستيعاب كل من اختار هذه الأرض وطنا له دون أن يحس أنه غريب. غير أن النزعات العنصرية والشوفينية الوافدة كثيرا ما سببت تعكيراً لصفو هذا التعايش، قومية كانت أو دينية أو طائفية، ودائما كانت دخيلة على طبيعة هذا المجتمع المتسامح حد السذاجة.

مع متغيرات كثيرة في المنطقة، ومع دخول النفط بقوة إلى المشهد كخادم للمذاهب المتوترة أو للمعارف المتخلفة، تبدلت الكثير من العلاقات ومن موازين القوى، فأخذت رياح الصحراء تحاول أن تهب من جديد بغبارها الخشن على هذه الواحة المتجانسة، وهذه المرة مستغلةً كل ما أنتجته الحضارة من وسائل البث والتواصل السريعة والفعالة، واندلعت مئات القنوات التي لا عمل لها إلا محاولة صبغ مصر بلون واحد، وعبر شيوخ متوترين يعملون ليل نهار من أجل بث بذور الفتنة والشقاق.

حين أقول (الإسلام المصري) أعني الإسلام الذي اصطبغ بالتراث والثقافة المصرية العريقة، مثلما اكتسب الإسلام في فارس خصائص الحضارة الفارسية بما فيها صبغة الزرادشتية وبعض طقوسها، ومثلما كان هناك أسلام مكي أو مديني أو عباسي أو أموي أو أندلسي أو عثماني كان هناك إسلام مصري.

الإسلام المصري إسلام المرح وخفة الدم والفهلوة ، والمسبحة والمساجد والتكايا والعوالم والنكتة والابتسامة والتغني بالقرآن والزار والطرق الصوفية، والمسرح والسينما والاختلاط والسفور الذي تفرضه حياة الغيط والمجتمع الزراعي، إسلام الطبقة واليد العليا واليد السفلى، وحتى المتسول في مصر فهلوي، من الممكن أن يستخدم مؤثرات بصرية وسمعية لكي يقوم بدوره، ورغم ذلك لا يتوقفون عن دس النقود في يده، إن لم يكن يستحقها كمتسول فهو يستحقها كممثل موهوب. هذه هي مصر قلب الشرق الأوسط، والتي عبرتها الأمم كافة، وعبرتها أقدم الفرق إرهابا في الإسلام، الإسماعيلية بحشاشيها، لكنها اختفت ولم تترك أثرا، بل أخذت إرهابها معها حين عادت إلى معقلها، وتركت حشيشها ضبابا يظلل مصانع النكتة الحاذقة في الغرز المصرية، النكتة التي قاوم بها المصريون، ومازالوا، الطغاةَ وصنّاع التجهم.

وهذا الإسلام المصري كان فرعا في شجرة روحية مصرية ضاربة جذورها في الأرض، لا صراع ولا تناقض فيها إذا لم تهب عليها رياح الفتن الوافدة، أو الأيديولوجيات العنصرية والعصبيات التي كانت تترك خدوشها في هذا النسيج دون أن تستطيع اختراقه أو تفكيكه.

فحضارة بحجم مصر وعراقتها لن تهزها كيانات عمرها أصغر من مجلة الكواكب، أو دويلة هامشية، تخلف مصرُ كل يوم شعباً جديداً بتعداد شعبها. فقط على دعوات تجديد الخطاب الديني أن تحدد هدفها في عودة الإسلام المصري الأصيل وتنقيته من كل الشوائب ونفضه من غبار الصحراء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات