التفاؤل تشاؤما معكوسا

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

التفاؤل والتشاؤم شعوران، أو ميلان، نفسيان مقترنان لدى الإنسان. لأنهما يتصارعان داخل نفس الفرد، ورغم أن لكل منهما، عادة، محفزات خارجية تسندهما، إلا أن ثمة، لدى بعض الأشخاص، ميلا، أو قابلية، لأحدهما دون الآخر أو، على الأقل تغليبا له. وإذا كان الميل نحو التشاؤم يعتبر نتيجة، أو سببا، للشعور بالإحباط واقترابا من الشعور باليأس، أي أنه يعد، على الجملة، توجها سلبيا، فإن الميل نحو التفاؤل يمثل تعلقا ببوارق الأمل، مهما ضؤلت، ورغبة في الحياة وثقة في المستقبل. أي أنه يعد توجها إيجابيا. ومثلما أن التشاؤم الدائم والمفرط يعتبر موقفا تتخلى فيه البصيرة عن تبصرها غير معتدة إلا بما هو سلبي، فكذلك يؤخذ الإفراط في التفاؤل غير المُزكَّى بمرتكزات واقعية، على أنه موقف واهم وساذج يغمض بصيرته عن الواقع، وتتمثل إيجابيته الوحيدة في التمسك بالأمل والحياة والثقة في المستقبل ومحاولة التخفيف من يأس اليائسين.

في بعض الحالات يتداخل التوجهان ويلتبسان بحيث لا يعود التمييز بينها أمر محسوما.

أبرز مثال يحضر هنا، هو مثال الشخصين الجالسين وأمامهما كوب به بعض الماء. فوصف أحدهما الكوب بأنه نصف فارغ ووصفه الثاني بأنه نصف ملآن. ويقال لنا بأن الأول متشائم لأنه ركز على النصف الفارغ من الكوب، أما الثاني فمتفائل لأنه ركز على النصف الملآن. ركز الأول على الفراغ، في حين ركز الثاني على الامتلاء.

لكن إذا ما أخضعنا هذه الحكاية إلى النظر المدقق، لوجدنا أن الأول هو المتفائل، أو الأقرب إلى التفاؤل، وأن الثاني هو المتشائم، أو الأقرب إلى التشاؤم!

فالأول لم يحذف من تفكيره النصف الملآن، إنما اعتبره تحصيل حاصل، مثلما يقال، صابا تركيزه على النصف الفارغ. أي على النقص. وهذا ينم على رغبته وطموحه في امتلاء هذا الكوب. هذا الكوب ينبغي أن يُملأ وتستحث المساعي من أجل ملئه. وبالتالي فإن ثمة في هذا الموقف حضا ضمنيا على التغيير والتقدم. أما التركيز على النصف الملآن ففيه نوع من الاستنامة للوضع القائم الذي يعتبر أقل سوءا من غيره. أفضل من فراغ الكوب بالكامل. إنه الاكتفاء بما هو متاح.

إذا ما نقلنا هذا النقاش إلى دنيا السياسة فلابد أن نستحضر هنا الحجة التي ترفعها الأنظمة السياسية الاستبدادية في وجه منتقديها ومعارضيها القائلة بأنهم يركزون على جوانب النقص فقط ويهملون الإنجازات المتحققة. وكأن الإنجازات، إن وجدت، فضل ومنة، أو صدقة، من هذه الأنظمة على شعوبها ينبغي أن تقابل بالإشادة والشكر والدعوات الصالحات لهذه الأنظمة، متناسية أن هذه الإنجازات من صميم واجبها ووظيفتها والتزامها، وأن إعلامها الرسمي يركز فقط على "الإيجابيات" مهملا السلبيات. في هذا المثال يعد المركزون على السلبيات متفائلين، بشكل ما، ويكون المتغاضون عنها متشائمين.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات