خليش وسمان

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

بدأت سيدة أمريكية أسمها (روبي هيمنواي) حياتها العملية كمعلمة سنة 1903 وتقاعدت بعد ستين عاما، ولما بلغت التسعين صارت كاتبة. كانت متابعة جيدة لعمود أسبوعي في صحيفة مدينتها، وكثرت مداخلاتها وتعليقاتها ليكتسب كاتب العمود موهبتها؛ فشجعها على الكتابة، ثم بدأت في كتابة عمود أسبوعي مستقل تتحدث فيه عن ذكرياتها. تقول (الآنسة روبي): "حين أبدأ الكلام عن الماضي يتوقف الزمن حولي". في يناير 1984 وصل عمرها 100 عامٍ، وبعد أسبوع واحد من صدور مقالها الأسبوعي بعد عيد ميلادها رقم 104، توقف زمانها تماما.

كانت علاقتها بالريف بهيجة، تقول في أحد مقالاتها: "من الأمور التي مازالت حية في ذاكرتي من أيامي الأولى في المزرعة رائحة التبن الزكية وهي تتسلل إلى نافدة غرفة نومي ليلا، والعصافير التي تطير في العشية وتغرد جاثمة على أحجار الحائط الدافئة. كان من عادتنا أنا وشقيقي أن نذهب إلى غابة (ميل هيل) في الغسق ونجلس على المقعد الحجري المقابل لمخزن التبن ونصغى إلى زقزقة السمّن، ينبعث غناء طائر واحد في البداية، يأتي من بعيد خافتا ثم يتلوه صوت أكثر قربا. ثم تتوافد الطيور من كل الجهات من دون أن يتداخل تغريد أحدها مع رفاقه، فنسمع من ذلك نغم: "أو... لي ..أو .. لي" العذب يتكرر مرارا بدرجات صوتية متفاوتة حتى يهبط الظلام ". طيور السمّن هي السمان الذي ننتظر وصوله منهكا في الخريف بشباك معدة لصيده. أنا شخصيا لم أنتبه مرة واحدة إلى زقزقته.

طيور السمّن هي السمان الذي ننتظر وصوله منهكا في الخريف بشباك معدة لصيده

لعل سعادتي بقراءة سيرة الآنسة (هيمنواي) سببها تشابه ظروفها مع ظروفي، متطلعا بثقة أن يحتفل لي، أيضا، بعيد ميلاد يتقارب عدده مع أعداد سنواتها. أنا بالفعل بدأت الكتابة متأخرا، لدرجة أن الكتاب الشباب، الذين بدأوا في حقبة التسعينيات ضموني إليهم.

وأنا، أيضا، أشعر أن الزمن يتوقف عندما أكتب مسترجعا أحداثا قديمة، فأنا مثلا أعرف أنه "من الأمور التي مازالت حية في ذاكرتي من أيامي الأولى في بنغازي؛ رائحة الطعام المتسربة من مطبخ مطعم (فينسيا) في عمارة الجبل الأخضر في الجزء المطل على الحديقة العامة، كنت وابن عمى أبوبكر عكيز وعيال شارع محمد موسى: المصدي، فتحي بسيكري،علي الفيتوري، عيسى بودشيشه وخليل العربي، نتحين غروب الشمس، ونكون قريبين من الحديقة، حيث تتوافد طيور الخليش (تتزوزك) حتى تنام على أغصان الأشجار، ولما تتوقف عن الزقرقزة نأخذ بقذف الأشجار بالأحجارفتنطلق الطيور المسكينة مذعورة، فتصطدم بجدران العمارات وتتساقط فنأخذ في جمعها منها ما نفق ومنها من ينتظر.

تلك الساعة نكون مصدر إزعاج لرواد المطعم. ولقد توعدنا عمال المطعم بمختلف الوسائل، ولكننا لم نتوقف عن ممارسة هوايتنا بازعاج الطيور، وذات يوم وفيما كنت أتلصص من جهة مدخل مطبخ المطعم قبضت يد قوية على ذراعي، ولم تترك لي فرصة واحدة للهرب، خصوصا من بعد أن انطلق الرفاق بعيدا عني، بعدما سمعوا دقات قلبي، الذي كاد أن ينفجر، ولكن ابتسامة (النصراني) صاحب المطعم طمأنتني قليلا ، قال: (إنتِ جيعانه يا كلبا .. تعال كولي)" وسحبني إلى داخل المطبخ، وجلس بجواري وقدم لي طبقا ممتلئا ببطاطس مقلية وقطع صغيرة من لحم ودجاج، وقطعة سمك مقلية.. وفتح لي زجاجة ( بورتيلو) وإن كنت أفضل السينالكو. وقال لي: "(تعال كل يوم انت واصحابك وكولوا أخمد يعطيكم أكل). وكان (أخمد) منتصبا أمامي محشورا في سترته البيضاء فيما يبرز رأسه الأسود الصغير غير المتناسق مع بطنه وتتلألأ أسنانه البيضاء أسفل حافة طاقيته الحمراء، ثم سألني (الرقريقي) : "(شنو) أسمك ؟ " أجبته سريعا: "دقاق .." ثم التفت نحو (أخمد): "كل يوم انت اعمل صحن لدقاق" ثم التفت نحوي واستطرد: "(كل واخد صاحبك انت لا يرمي عصافير مسكينه بالحيط .. جيبا معاك)". وأكلت وشربت (البورتيلو) ولا أدري كيف عرف أخمد بعشقي للأناناس، فأحضر لي نص زجاجة منها.

من ذلك اليوم توقفنا عن إزعاج (الخليش)، الذي بالمناسبة لا يؤكل أبدا رغم محاولاتنا المتكررة لشيه. وصارت وجبتنا الرئيسية سندويش لحم أو دجاج أو بطاطس، بحسب ما يتبقى في صحون زبائن المطعم. وتحولنا نحو المطعم الثاني، الذي كان في مكان عمارة مصرف الأمة. مجرد تراس، له بلكونة تطل على الحديقة، يتحلق حولها (نصارى) ويسكرون ويغنون. وكان يصعب إسقاط طيورالخليش من الأشجار القريبة منه لعدم وجود مبانٍ قريبة لتصطدم بها؛ فاستعنا بـ (حكاكي التشتاش) الذي كنا نتحصل عليه من البحر، من أسفل طريق اللوح الذي يربط البلاد بجليانه. (التشتاش) هو أسياخ من الديناميت نجدها في قاع البحر وهو من مخلفات الحرب. كنا نرص (التشتاش) في علبة صفيح فارغة ونشعل فتيلها فتشتعل فتتحرك كقطة مجنونة أسفل مناضد المطعم. ولكن خطتنا لم تنجح لأن زبائن المطعم أخذوا يقذفونا بزجاجات البيرة الفارغة.

وهكذا كما ترون حالة التشابه ما بيني وبين (الآنسة هيمنواي) في علاقتنا بالطيور، فهي تقول أيضا أنها كانت تستخدم مواقد الكيروسين، ونحن أيضا، ولكنها لا تعرف المثل البليغ المستمد من موقد الكيروسين أن "الدنيا (فنيه) والزمن كباس"، وكانت تفتقد فطيرة التفاح، وأنا أفتقد المقروض والزلابيا والمخارق، وهي لم تمتطِ حصانا ولن تذوق طعم الكحول والتبغ .. وأنا كذلك إلى حد ما! وهي تقول: "لا تخوضوا الحياة وعيونكم مغمضة" وهذا ما أريد قوله لأطفال (الفيس بوك).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    16.05.2017 الساعة 14:58

    ( Net connection failure ) كان سببا في عدم تكملة التعليق.......... .... سيدي انها ( قصة الأمس ) امسك. امسي و امس جيلنا..امس المملكة الليبية وسماحة بناتها وموطنيها والتي اراها (An epic been started since 1917 )..نعم ملحمة بدأت ارهاصاتها منذ سنة 1917 تفاهمات الزويتينه...ملحمة قبرت على يد الأحذية السوداء يوم 191969 ..وامس طاغية كان بمثابة برزخ من العذاب والرعب.أوصلنا الى ما نحن فيه من جحيم مملكة النسيان هذه. ورعب سدنتها منذ. 772012 يوم تسلطت الجماعة اياها ومن خرج من تحت عباءتها من المتطرفين والجهويين سكان عشايش اطراف المدن. والتي اراها ويراها كل وطني مأساة من الطغيان والرعب ( A saga of endless tyranny and horror..a darkness tale )

  • بواسطة : Mailoud Saad

    16.05.2017 الساعة 13:30

    سيدي انه (البوح) في آخر سنين العمر للاعتذار والصفح عن ما بدر من المرء ضد مخلوقات الله سواء أكان تلك المخلوقات بشر اوطير او حيوان.وحنين )Nostalgia( إلى الماضي السعيد دون ماسيه وحرمانه ِِما كتبته السيد ه الأمريكيه اواخر عمرها وما يكتبه السيد العمامي(بوح وحنين) )... A feeling of effection.mixed with sadness ( قد يكون هذا توصيف الحالة التى اعترت السيدة الأمريكيه اواخر عمرها وما يعتري السيد العمامي وكاتب هذا التعليق ودمتم