ركن العامرية.. المرأة بين الوحم والقيادة

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

مكّنت الثورة الصناعية المرأة الأوربية من الحصول على فرصة الاستقلالية الاقتصادية عن الرجل، وليس خافيًا ذلك الصراع المرير الذي خاضته في مشوارها لاسيما وأنه كان طريقًا مزحومًا بعربدة التقاليد والعادات المجحفة.

والْيَوْم ورغم ما حققه العالم الغربي على الصعيد الحضاري إلا أن مجتمعاتهم كمجتمعاتنا لا تخلو من المشاكل، ولكن الفارق الكبير بيننا وبينهم هوعملهم الدائم والدؤوب للتعرف على مشكلاتهم والكشف عن مسبباتها. هم يبحثون، يتناقشون، يتحدثون، يفكرون، يخططون وينفذون، يقومون بشجاعة بكل ذلك في أجواء يحفّها قدر كبير من الحرية. فمثلًا هم الْيَوْم يَعدّون انخفاض عدد النساء العاملات في الوظائف القيادية والريادية مشكلة!. صحيح أن موضوع عمل المرأة بات محسومًا عندهم منذ زمن، فقد ألفوه واعتادوا عليه ولكن يبقى الدور الريادي للمرأة عندهم محل نظر، فهم يَرَوْن أن عدم تمثيلها بالعدد الكافي في الوظائف القيادية مشكلة كبيرة لأن دراساتهم وأبحاثهم العلمية تؤكد المرة تلو الأخرى على الأثر الإيجابي للمرأة القيادية في المجال الوظيفي في كافة التخصصات خلافًا لما هو رائج في مجتمعنا خلال الألف حِجة الأخيرة على الأقل.

فمثلًا نائب برلماني من نوابنا المتعلمين، كان قد رمانا بكلمة نزلت على رؤوسنا فأنارت لنا دروب الفكر المتخلّف وأوقدت فيها مسارات الإبداع العقيم فأنتجت رؤية سقيمة، فقد أوحى حديث البرلماني الذي ارتضى أن يُنتخب من قبل النساء أن وحم النساء هو سبب الاقتتال الليبي الليبي ولذا لا يجوز أبدًا تنصيب امرأة رئيسة للبلاد. قال بهذا رغم أن الرجال عمومًا و لستة حِجج كاملة هم من يتقاتلون في بلادنا. رجال يقتلون رجالًا و رجال يحرّضون على قتل رجال ورجال يعذبون رجالًا ورجال يخونون رجالًا ورجال يسرقون الرجال والنساء ورجال يتآمرون مع نساء ورجال من الخارج ورجال جالسون مع رجال في مرابيع السياسة الرجالية. والقائمة تطول. ياللهول كل ذلك بسبب توحم النساء الليبيات، فلنتوقف عنه إذًا ونقطع دابر الحروب!.

العالم المسرع بحضارته صوب الشمس فمشغول بالكشف عن أسباب عزوف النساء الموهوبات عن تقلد المناصب العليا

ثم ألم يسمع النائب ببند الدستور الذي يمنع الترشح للرئاسة لمن دون الأربعين. كيف له أن يعلم أن الأربعينية غالبًا ما تكون قد انتهت من الوحم والتوحم!. ما يهم هو أن النساء مرة أخرى سبب النكبات تمامًا كما كان سفورهن العلّة من وراء انتكاسة 1967م وليست براعة نساء من المخيم المقابل ومن ورائهن كم هائل من الرجال الأذكياء.

أما العالم المسرع بحضارته صوب الشمس فمشغول بالكشف عن أسباب عزوف النساء الموهوبات عن تقلد المناصب العليا. ومن بين الأسباب الكثيرة ولعلها الأهم، هي ذكوريّة النظام العام للمؤسسات المُنشأة منذ عقود عديدة وربما قرون من قبل الرجال فتأسست بطريقة تناسبه تمامًا كما هو حال الفكر الديني سواء في مجتمعهم أو مجتمعنا والذي به لا نزال نناقش أمر سفر المرأة بلا محرم بمنطق من عاش هنا منذ ألف عام ويزيد. وعندما اقتحمت المرأة الغربيّة تلك المؤسسات المشحونة بالوجود الذكوري كان من الصعوبة عليها بمكان ارتقاء السلم الوظيفي دون التخلي عن طبيعتها الأنثوية لتقمص الشخصية الرجالية الذكورية حيث أن ذلك النظام السائد لا يعبر عن الرغبات السوية لأغلبية النساء عداعدد قليل ممن هُن على استعداد للتنازل عن أنوثتهن -أعني الصفات الشخصية الأنثوية- فلذا يقل عددهن كلما تقدمن في السلم الوظيفي.

أما وهذا هو الحال فقد قدمت شركة ماكينزي الشهيرة دراسات مستفيضة حول هذا الموضوع ومن ضمن ما خلصت إليه وجوب العمل على توظيف مالا يقل عن ثلاثة نساء في مجالس إدارة المؤسسات والبنوك والشركات، الشيء الذي من شأنه زيادة النجاحات بزيادة القدرة الإنتاجية ناهيك عن تحسين وتلطيف جو العمل العام في المجلس.

أما كيف يتم تمهيد الطريق أمام المرأة الموهوبة للوصول لتلك المناصب الريادية العليا، فذلك يكون وبحسب توصيات أبحاث ماكينزي بتغيير أنظمة العمل الذكورية لتكون أكثر استيعابًا للنساء وانسجامًا مع طبيعتهن الأنثوية وذلك على مستوى المؤسسات الحكومية والخاصة كتوفير فرص العمل من البيت مراعاة لجانب (الوحم) والأمومة وغير ذلك. كذلك تقوم جامعات عريقة كجامعة هارفاد الأمريكية الشهيرة مثلًا بإعطاء دورات متخصصة لتنمية قدرات المرأة القيادية.

ما يهمني هنا أنهم على علم تام بالمشاكل التي تعانيها مجتمعاتهم فلا هم يحاولون تغطيتها بغربال أعمى أو كنسها تحت السجّاد كما هو حالنا، بل يعملون على خلق طرق لمعالجتها. أما نحن فلا نرغب حتى بالاعتراف أن واضعي القوانين والذين هم رجال في الأصل لا يدركون مثلًا حجم المشاكل المترتبة عن حرمان أولاد الليبية المتزوجة بغير ليبي من حمل الجنسية الليبية أو منع الليبي من أم أجنبية من حق الترشح للرئاسة فيكون حديث الرجال عن وحم المرأة أجدى، ألم أقل لكم إننا نفكر بمنطق غارق في القدم؟!

فإلى الْيَوْم ورجالنا إلا من رحم ربي، يعملون على تحميلنا جريرة عجزهم وفشلهم الدائمين. هم يعملون على إهانة المرأة كما فعل ذلك النائب المنتخب من النساء والرجال، كلما استشعروا خيباتهم ابتدأ من إنزالنا من المنصات بدافع تغزّل بعض التوجهات إلى إلغاء العمل بقانون حظر تعدد الزوجات دون موافقة الزوجة الأولى وليس انتهاء بمبدأ الوصاية على المرأة عمومًا و في كل مراحل عمرها.

الخارقة أن الحضارة لا تنتظر أحدًا فهي منطلقة كالصاروخ إلى الأعالي ونحن نساء ورجالاً، في حالة اندفاع وتدافع صوب الهاوية العارية إلا من الخزعبلات، وبما أننا جميعًا نساء ورجالًا شركاء في معاناة العذاب الليبي فلنتوقف إذًا عن اللهاث وراء الخرافات ولنعمل معًا لتدارك الوضع لتكون وجهتنا الصعود المحموم بدل هذا السقوط المريع.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات