في ذكرى صديقي إبراهيم بوحمرة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

يوم 10 مايو تمر الذكرى السادسة لرحيل صديقي ورفيق العمل الثقافي والمدني في صحيفة الأفريقي وبيت درنة الثقافي: إبراهيم بوحمرة، صاحب لازمة "كون هاني" كلما طلبت منه خدمة أو مساعدة أو التأسيس لمشروع أو مهرجان، وفعلا عليك أن تكون هانئا ومطمئنا لأن ما طلبته سينجز بسرعة وعلى أفضل ما يرام. في العام 2009 رشحه الصديق الكاتب أحمد الفيتوري لأحد مواقع المعارضة الليبية الذي كان يختار شخصية المجتمع المدني في ليبيا كل سنة، لكن الموقع لم ينتبه له لأنه لم يكن يعرفه كما يعرفه الفيتوري ونعرفه جميعا، ولأن إبراهيم من عشاق العمل في الظل بعيداً عن عدسات الكاميرا وعن التباهي الإعلامي.

ماذا أقول عن صديقي الذي كان ملاذي كلما صادفتني عقبة؟ رقمه هو الأول في نقالي، ليس فقط لامتياز أبجدي، ولكن لأنه أول من اتصل به كلما أحسست بضعف أو إحباط، فيحيل بمزاحه كل المشاكل إلى نكتة، ويتفرغ تماما لحل مشكلتي.

إنكار الذات سليقته، وسعادته في أن يخدم الآخرين للدرجة التي ينسى فيها نفسه، هكذا عرفته أول مرة عام 1993 في صحيفة الأفريقي، حين كان مشرفا على ملفها الرياضي، كان مأخوذا بأرشفة تاريخ النادي، والتنقيب عن تجربة كل من قدم جهدا لهذا النادي، لذلك اشتهر بمصطلح "الرعيل الأول" أينما حل، وبالإعداد لاحتفالات المعايدة التي تضم كل الأجيال، غبطته تزيد بزيادة الزحام وباستقطاب أكبر حشد لكل عمل يعد له، قدرته على خلق العلاقات ومزج الجاد بالمرح فتحت طريقه للقلوب وهيأت له مناخ القدرة على العمل الأهلي بكفاءة عالية.

لن ترى إبراهيم إلا وهو يجمع ملف عمل خيري أو أهلي، أو يتحدث عن مشاريع اجتماعية يخطط لها بحنكة، لا يكف عن سرد نفس الحكاية التي يحفظها عن ظهر قلب ليقنع كل من أمامه بجدوى مشروعه، ولا أحد كان يرد إبراهيم عما يطلبه من دعم لأنه يعرف أن هذا الدعم ذاهب إلى حيث ينبغي. إبراهيم حكاية والحكاية لديه تفضي إلى ملفات وخرائط والخرائط تفضي إلى مشروع، يؤسس مشروعه ثم لا يلبث أن يغادر إلى مشروع آخر دون أن ينسى مشاريعه المنجزة، من الأفريقي إلى جمعية بيت درنة الثقافي إلى دعمه لرياض الأطفال إلى المدينة القديمة، وغيرها مما لا يلتفت إليه إلا الوعي والتطوع.

يتنقل دون أن يحس بالتعب ودون أن ينسى ذاهبا في أحلامه التي لا تنتهي لكن دائما ما يحيل الحلم واقعا ملموسا أو على الأقل جزءاً من واقع

يتنقل دون أن يحس بالتعب ودون أن ينسى، ذاهبا في أحلامه التي لا تنتهي، لكن دائما ما يحيل الحلم واقعا ملموسا أو على الأقل جزءاً من واقع. اليأس ليس مهنته، ولا التفاؤل بعيد عن ابتسامته في أكثر الظروف صعوبة، لم يكن سياسيا بالمعنى التقليدي، لكنه كان يقاوم الخراب بتفاؤله وقدرته على تحويل هذا التفاؤل إلى مشاريع. حين فكرنا معا في تأسيس بيت درنة الثقافي، اكتفينا نحن بالفكرة الحلم، لكنه غداة ذاك الحلم بدأ العمل على هذا المشروع حتى أصبح حقيقة، قاوم بنَفَسه الطويل كل من سعوا إلى إجهاضه، وكان دائما يقول أنتم فكروا واحلموا ودعوا الباقي علي، وكنا نحلم فعلا ونلقي بأحلامنا في أتونه فتفور وتصبح أجساما نلمسها، وبقدر ما كان إبراهيم يكسب الأصدقاء كان يتراكم حوله الأعداء، لكنه كان دائماً مصراً على قوله: "عادي" كلما أساء له شخص.. يحب أصدقاءه جدا، ولا تنقطع علاقته بمن يعادونه، وكان المزاح أداة تواصله مع الاثنين.

إبراهيم فند مقولة من يتحدث كثيرا لا يعمل، فكان فعلا يتحدث كثيراً لكنه يعمل أكثر، وحقا حين يكون إبراهيم صديقك لا تقلق من شيء، فكرمه ومروءته وإيثاره يجعلان كل مشاكلك قيد الحل. يفعل كل شيء وعندما يبدأ الزحام على الضوء يختفي، يخجل من الإطراء ويهرب من العدسة، يحدثك عن القليل الذي لم يفعله ويسكت عن الكثير الذي أنجزه.

بداية حراك فبراير التقيت به وكانت سيارته مملوءة بأكياس المواد الغذائية والخضروات، وطلب مني الذهاب معه، وكان كل مرة يقف أمام بيت ويطرقه ويسلم كيسا من الإعانة، فقلت له: كيف ومتى عرفت كل هذه البيوت المحتاجة، وكعادته ابتسم وغير الموضوع، لكني عرفت أنه كان لسنوات يقوم بهذا العمل دون أن نعلم، وكان يعرف عناوين الفقراء الذين لا عنوان لهم في إحدى أغنى دول العالم.

يوم 7 مايو 2011 اتصلت به من الحدود عندما كنا قادمين من مصر بالأعداد الأولى من جريدة ميادين التي صدرت بعد فبراير ليحل لي مشكلة توزيعها في طبرق، تحدث معي بصوت واهن وقال لي: كن هاني، اعتقدت أن سبب التغير في صوته استيقاظه من النوم، وحين عدت إلى درنة عرفت أنه كان يحدثني من غرفة العناية المركزة بمستشفى طبرق حين ألمت به ذبحة صدرية لم تثنه عن حل مشكلتي وجسمه موصول بالأجهزة الطبية. وحين أحس ببعض التعافي خرج من المستشفى دون إكمال علاجه لأنه كان في سباق مع الزمن وهو يعد قافلة إغاثة إلى مدينة الزنتان.

يوم 9 مايو 2011 زرته في مكتبه بدرنة الذي تحول إلى غرفة عمليات لثورة فبراير، وحاولت إقناعه بالذهاب إلى مصر للعلاج، وقلت له نحن نحتاجك يا إبراهيم ونريدك حيا، فقال لي كلمته المعهودة: لا تخف أنا متأكد أنني سأدفنكم جميعا، فقلت له هذا ما أتمناه لأني أعرف أنك ستقيم لنا أفضل تأبين يتمناه راحل.

صبيحة 10 مايو 2011 استيقظت لأجد عدة مكالمات "لم يُرد عليها" من أصدقائي فأدركت أن إبراهيم رحل، دفنت وجهي في الوسادة وأجهشت بالبكاء، بكيت كثيرا، وناجيت الله : لماذا يعيش اللصوص والمخربون بكامل صحتهم ويرحل إبراهيم بوحمرة الذي سخر حياته لكل خير ولكل ما يجعل الحياة أجمل؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات