نوري الكيخيا: المناضلُ الباهي الليبي

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

-1
هممتُ بالكتابة عن قامةٍ من قامات سامقةٍ في النضال الليبي من أجل الإنسان وأن يحيا حُرا في وطنه، كنتُ أعرفُ أن هذا الرجل اليساري لا يحدهُ حد، وأنهُ في حجم العالم وحجم قبضة يد تحت الثدي الأيسر عامرة بالمحبة للبشر كافة.

هممتُ لكن وجدتني أقفُ مُتأملا إنساناً في قدر نوري الكيخيا الذي خاط الأرض بأرجلٍ واثقةٍ وعقلٍ مُتفتح بحثاً عن خلاص البشر من القيود التي تصرعُ أحلامهم، مثلهُ يبحثُ في العالم عن وطن وفي وطنه عن العالم، مثلهُ لا يشدهُ الواقع عن الحلم ولا بعد الحلم عن أن يمخر الطريق وإن طال والزاد قل، يُعارك بكل نفس ويُفكر بكل عقل ويعقل ما يفعل، ويدقُ الأبواب بكلِ يدٍ مُضرجة شاهداً على الرفاق من مشانق البغي والعسف تُعلق عليها أنفسهم السامقة في الميادين.

في شوارع بلاده يرى الحرية مُعلقة على المشانق فيعدو في شوارع العالم بصرخة الحرية لبلاده وآل البلاد وكل بلاد تُهدر فيها كرامة الإنسان، لم يألُ جهدا أن يكون أو لا يكون، أن ينتصر ألا يدمر وإن لم ينتصر، ولذا لم يدع ولم يتملق واتخذ من الإيباء شيمة وشكم النفس عن التهاون ولو لمرة فعاش كما يستطيعُ ويرغب.

ذا العقلاني زادهُ الخيال، ذا المُفرد بصيغة الجمع، ذا المنفي هو المختار أن يكون حيث يجب أن يكون، دون هوادة كرس كلهُ لقضية ارتآها: أن تكون بلادهُ ليبيا بلدا ديمقراطيا، فيه المواطنة حقٌ وواجب، ويكفلُ دستورٌ أن يكون الناس أمام القانون سواسية، ذا السياسي زادهُ في السياسة الشعر، ما يعني الأفق المفتوح وأن التحقق يستدعي العمل من أجله لأنه لم يتحقق بعد.

دَرَسَ في بلاد "غوته" شاعر ألمانيا الذي عاش زمن احتلال نابليون لبلاده فانتمى للتحرر لا من نابليون فحسب بل من كل "نابليونية"، في بلاد "ماركس" أيضا شاهد الاضطهاد يلبسُ مسوح الرهبان فمقت كل مسوح.
هذا نوري الكيخيا من كَتبَ باسمٍ مستعار "الباهي اليدري" كثيرا ما باغت نفسهُ كيساري، وكملكي، وكسياسي، وكوطني، وكأُممي، وكشاعر، وكعامي فصيح وكبنغازي، وكمصراتي، وكليبي، وكعالمي كوني، كثيرا ما باغث نفسه أنه كل أولئك وأنه أُفق لا يحتملُ حدا.

بالإمكان إصدار كتابات لشخصية ثقافية لم يصدر لها أي كتاب لكن كتاباتها مبعثرةٌ بين طيات صحف ومجلات

هل كتاب كذا يُلم بما أمكن أن يُلم به كافٍ لحصر كـ "نوري"، هل كتاب يُدون الشفهي الطائر مع خيوط الشمس كل صبح من قرين الفعل من يتذكر الغد، كتاب كذا ينفع للتذكير وليس كذكرى: أن "نوري الكيخيا المناضل الباهي الليبي" ابن للغد لا يستكين وأن هذا الغد ابن الانسان، ابن الحياة، ابن ليبيا التي أهلها يحلبون من صحراء كبرى ماءهم، ومن سرابها يشدون العزم على أن كـ " نوري" نبراسُ نورٍ لا ينطفيء.

-2
ما تقدم مُقدمة الكتاب "نوري الكيخيا المناضل الباهي الليبي"، الذي أعددتهُ بمناسبة لقاء تأبينه الذي سيقامُ بالقاهرة في اليوم الأربعين من وفاته، عند الساعة السادسة من مساء السبت 6 مايو 2017م فندق السفير بالدقي، الكتاب من 250 صفحة متوسطة يحوي كتابات المرحوم، وردود عليها، وحوارات معه، وصوره، ووثائق بخط يده، وكتابات في تأبينه.

وقد خضتُ هذه التجربة مررا في الحياة الثقافية الليبية حيث قمتُ بمبادرة شخصية بإصدار أول كتاب ليبي يصدر بمناسبة عيد ميلاد كاتب ليبي، أعددتهُ ونشرتهُ على حسابي وصدر في حفل أُقيم في طرابلس بالمناسبة وحرصتُ على عدم حضوره باعتباري قمتُ بما لزم وكفى، والكتاب هو "ستون الشريف"، والكاتب هو أهم الكُتاب العرب في ثقافة الطفل القاص الليبي "يوسف الشريف" وكان ذلك عام 1998م وقد ولد "يوسف الشريف" عام 1938 م أطال الله في عمره.

وفي العقد العالمي للتنمية الثقافية في التسعينات، وبمناسبة مئوية شاعر الوطن "أحمد رفيق المهدوي" 1898 -1961م، أعددتُ كتابا حول الشاعر صدر بعنوان "في ذكرى رفيق"، وقد كتبتُ مسرحية تسجيلية حول حياة الشاعر هي الأولى في ليبيا، واحتواها الكتاب لكن لم تُقدم على الركح بعد.

أما في درنة في احتفالية "خمسونية الشاعر إبراهيم الأسطى عمر" مارس عام 2001م ، فقد كتبتُ مادة وسيناريو شريط وثائقي حول حياة الشاعر الليبي "إبراهيم الأسطى عمر" 1908- 1950م، وقد أخرج الشريط الفنان المعروف "علي أحمد سالم" وعُرض في المهرجان الذي أقيم في الذكرى الخمسين لوفاة الشاعر، وكان الشريط تحت عنوان "سيرة البلبل" وختامهُ قصيدة للشاعر من غناء ولحن الفنان "عادل عبد المجيد"، والشريط بالإمكان تنزيله من خلال اليوتيوب.

وقد أعددتُ كتيبات وزعت في مناسبات مثل كتيب عن القاص "هشام مطر" الذي أقامت لهُ جريدة ميادين احتفالية بمدينة بنغازي، وتصدرغلاف الكتيب صورة الكاتب، ومؤخرا أعددتُ كُتيبا عن الكاتب المرحوم "إدريس المسماري" وُزع في لقاء تأبينه الذي أُقيم بالقاهرة. وهذا الكتاب "نوري الكيخيا المناضل الباهي الليبي" هو كتاب سياسي ثقافي يُضيء ملحمة من نضال الليبيين من أجل الحرية، ويُسلط الضوء حول شخصية سياسية ثقافية، ويُؤشر إلى أنه بالإمكان أبدع مما كان... بالإمكان إصدار كتابات لشخصية ثقافية لم يصدر لها أي كتاب لكن كتاباتها مبعثرةٌ بين طيات صحف ومجلات كمحمد زيتون، ومحمد زغبية، ومحمد حمي، وصبرية عويتي... وغيرهم، فهل من مُعين؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : عصام عوض

    4.05.2017 الساعة 18:08

    اولا اشكر الاخ احمد على مقالته حول الصديق والمناضل الوطني المرحوم نوري رمضان الكخيا وكذلك ما اشار اليه في مقالته عن اعداه لكتاب عن نوري يتضمن مقالاته . لي تصويب بسيط وهو ان اسم نوري الحركي او المستعار الذي كان يكتب به وربما اصبح مقترنا به وهو ما كان زملائه ورفاقه ينادونه به هو الباهيزز والاسم كاملا الباهي بن يدر ولبس "الباهي اليدري" كما ورد في المقال. وعلى فكرة فهذا الاسم الباهي بن يدر هو اسم نوري منذو ايام الحركة الوطنية الديموقراطية وكذلك في اسرة تحرير مجلة صوت ليبيا لسان حال الحركة الديموقراطية ومن بعد لسان حال التجمع الوطني الديموقراطي. هذا للتوضيح فقط ومرة اخري شكرا اخ احمد.