الحرية روح العقل

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

لا أختلف مع من يقولون أن ثورة فبراير لم تقدم إلى الليبيين سوى الدمار والقتل والفقر والعوز واختفاء الأمن والأمان .. والأشياء الرديئة الأخرى التي يتداولها بعض "المواطنين" وهم يصطفون في الأفجار أمام المصارف.

وانتقاء كلمة (مواطن) التي يلصقها الكتاب كصفة لليبيين ليست جيدة على الإطلاق في ثقافة الإغريق، لأنهم كانوا يطلقونها على أولئك غير المبالين، الذين لا يهتمون بمصير بلادهم ولا يعرفون أن الحرية مقدسة، وينبغي زرعها في رؤوس أطفالهم، وتدريبهم على توظيفها في استخدام العقل.

يخطيء من لا يعترف أن المكسب الحقيقي الذي ناله الناس من ثورة فبراير هو الحرية: حرية أن تتصرف كما تشأ: تحمل السلاح وتدافع عما تريد، أولا تحمله، أوتعتبره جريمة؛ حر أن تهاجر أو تعلن ما تريد من فكر؛ تؤيد الحكم المدني، أو لا تقبل به، تحمل فكرا دينيا وتعلنه ولا تخفيه، تنتظر أن تفتح المدارس أو تكتفي بما يتعلمه طفلك في الجامع أو تتولى أنت تعليمه في بيتك.. باختصار شديد أن تكون حرا في أن تجعل من حياتك ما تريد لها؛ وهذا في الحقيقة هو جوهر الحرية طالما أنها لا تؤذي أحدا، وتقف دون المساس بحرية غيرك.

تاريخ الحضارات يقول: "إن أعظم الحضارات القديمة التي سبقت الأديان السماوية هي حضارة اليونان على الرغم من كونهم شعبا قليل العدد وبلادهم فقيرة الموارد ومع ذلك تركوا لنا كما هائلا من الفكر والفن ولم يستطع أي كيان أن يحتل بلادهم على الرغم من قوة كيانات جيرانهم، والتي تفوقهم عددا وثراء، ولعل الفرس حينها كانوا أبرز مثال ". والتاريخ يقول أيضا أن أساس النجاح الذي حققه اليونانيون هو الحرية التي كانوا يتمتعون به.

إن الأمة التي لا تعرف التاريخ يكتب عليها أن تكرره

كان أهل أثينا الشعب الحر الوحيد ما بين الامبراطوريات القديمة التي كانت قائمة آنذاك: "مصر، بابل، آشور وفارس. لم تكن الحرية معروفة عند تلك الإمبراطوريات على الرغم مما بلغته من عظمة وثراء وقوة، ولكن لم تستطع أي من تلك الحضارات أن تنتصر على أثينا، والسبب حرية المواطن اليوناني الذي أحسن توظيفها واستخدامها. الحرية هي التي أفرزت ديمقراطية بلغت درجة الكمال".

كانت "الجمعية" هي الهيئة الحاكمة، التي يحق لكل مواطن تجاوز 18 سنة أن يكون عضوا فيها ومنهم ينتخب مجلس الخمسمائة تنفذ قرارات الجمعية وهي التي تنتخب القضاة وكبار ضباط الجيش. لا يجد الباحث الكثير عن المناهج الدراسية التي تعلم الأطفال إلاّ تراثهم يؤكد أنهم كانوا يهتمون بالأطفال ويعلمونهم كيف يفكرون وبالتالي شبوا على استخدام عقولهم، أكثر من استخدام (الكلاشنكوف) أعني الرمح والمنجنيق. لقد اهتم اليونانيون بالأطفال؛ دربوهم ليصبحوا مواطنين مفكرين "لم يقل لهم أحد ما يجب عليهم أن يفعلوا لم تكن هناك كنائس أو أحزاب سياسية ، أو رجال أعمال.

لم تقدم لهم الحكومات المنح والهبات ليدرسوا على حسابها حتى لا يضطروا أن يعملوا وفق ما تريد الحكومة. لم يكن هناك من يخجل لأنه فقير. كانوا يحترمون القانون، المكتوب والعرفي أيضا. وكانوا يعرفون الحب والحنان، وكل بذور الخير التي يولد بها الأطفال، وفوق ذلك لم يكونوا أنانيين، المثل العليا دون سواها هي التي جعلت الحضارة اليونانية قائمة طوال 2500 سنة، ولم تضمحل إلاّ بعد أن تسلطت عليها نعومة الحياة المريحة، خصوصا القيلولة التي مازالت مقدسة في أثينا حتى الآن، إذ يدين القانون كل من يزعج قيلولة جاره!.

الراحة والحياة الرغدة على حساب القيم والمثل أفقدتهم حضارتهم، وقضت الحياة المريحة على حريتهم، ففقدوا الأمن والحرية، ولم يعد لديهم سوى قيلولتهم. فعندما "أراد أهل أثينا أن تبذل الدولة من أجلهم كل شيء، عندما أصبحت الحرية التي ينشدونها هي التحرر من المسئولية، لم تعد أثينا حرة، ولم تتحرر بعد ذلك قط".

يقول أحد الفلاسفة: "إن الأمة التي لا تعرف التاريخ، يكتب عليها أن تكرره" يعني تصنعه، تبتدئ مسيرته من مرحلة جهل الإنسان بقوة العقل التي خلق بها. أفلاطون قال منذ آلاف السنين: "ليست الحرية مسألة قوانين ودساتير؛ بل الحر هو الذي يدرك الروح المقدسة الكامنة في أعماقه" عندها لن يكون مجرد مواطن مصطف في الأفجار الباردة ينتظر "الفتات والقشور منسحقا مقرور" وإنما خليفة الله في الأرض. فدعونا نعلم أولادنا كيف يستخدمون العقل، كيف يفكرون ويعرفون أن الحرية روح مقدسة وكامنة فيهم. نعلمهم أن الحرية لا تعني حرية السوق و"الخدمه على الرأس" لأنها تخلق منهم مجرد "مواطنين". علموهم كيف يُسخرون، بحرية، روح العقل المقدسة التي خلقوا بها، عندها لن يخدعهم أحد تحت أي شعار براق. فدعونا نجنب أطفالنا مصيرنا المزري هذا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات