التعذيب وكفاءة المحقق

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

في الدول المتخلفة، حيث انتهاك حقوق الإنسان (ليس من قبل الأجهزة الأمنية السرية فحسب، وإنما حتى من قبل الشرطة العلنية) ممارسة مقبولة، بل وحتى مرحب بها، يتم اللجوء، مباشرة تقريبا، إلى التعذيب، أو ما يعرف في لغة القانون بـ "الإكراه البدني"، لإجبار المشتبه بهم (ولس المتهمين) على الاعتراف. إنه أمر يغض وكلاء النيابة، وحتى المحاكم، عنه النظر.

لي صديق اعتقل بسبب الاشتباه به في قضية تزوير زمن النظام السابق ثم أطلق سراحه. قال لي أنه تعرض إلى التعذيب، وحين طلب من وكيل النيابة الذي تولى التحقيق معه عرضه على الطبيب الشرعي تملص من مسؤوليته بالقول أنه يمكنه عرض نفسه على الطبيب الشرعي في وقت آخر، لأن آثار التعذيب ستبقى!. هذا بالطبع تهرب من المسؤولية، وموافقة على التعذيب، وتضليل.

اقترحت على الصديق الذهاب إلى محامية صديقة لنعرض عليها الأمر. فنصحته بتقديم مذكرة تفصيلية بالخصوص إلى النائب العام مرفقة بتقرير طبي بالحالة من أي مستشفى. فلم يجد طبيبا يتحمل مسؤولية إعطائه مثل هذا التقرير!. رغم أن الطبيب ليس مضطرا إلى أن يقول في تقريره بأن هذا تعذيب من قبل الشرطة. كان يكفي أن يقول، مثلا، أن ثمة آثار شد بحبل ناجمة عن تعليق الجسد وأن ثمة آثار ضرب بعصا...

إن اللجوء إلى التعذيب، كأسلوب تحقيق متبع، يجعل الأجهزة الأمنية تتهاون في إجراء التحريات النشطة والحرص على جمع الأدلة، أو على الأقل القرائن، التي تبرر الاشتباه، ويجعل المحقق لا يجتهد في استخدام ذكائه لطرح الأسئلة التي يمكن أن تضيق على المشتبه به محل التحقيق وتوقعه في تناقضات وإرباكات لا يجد إزاءها مفرا من الإقرار بفعلته والاعتراف بجرمه.

مؤخرا روى لي صديق حادثة طريفة وقعت عقب أحداث مظاهرات الطلبة في 13 يناير سنة 1964 التي بدأت في بنغازي، وانطلقت إلى عدد آخر من المدن الليبية، والتي أطلقت فيها الشرطة النار على المتظاهرين فقتل، على الأقل، ثلاثة طلبة وجرح عدد آحر، من المهم إيرادها هنا.
تم اعتقال مجموعة من الطلبة عقب هذه المظاهرات للاشتباه في كونهم منظميها وقادتها. كان ثمة الأسئلة العادية المتعلقة بالاسم والعمر والسكن، إلخ. وكان هناك سؤال عن كُتب الطالب. هل خرج بها إلى المظاهرة، أم تركها في درج المقعد بالفصل، أم تركها بالبيت؟. كان السؤال يبدو تزيدا ولا قيمة له في مجريات التحقيق.

إلا أنه ، في الصميم، كان سؤالا مركزيا وفي غاية الأهمية.

ذلك أن ترك بعض الطلبة كتبهم في بيوتهم وعدم إحضارها معهم يوم المظاهرات إنما هو دليل واضح على علمهم المسبق بهذه المظاهرة وأنهم من منظميها وقادتها!

فهذا المحقق اعتمد على ذكائه وفطنته ولم يلجأ إلى أسلوب التعذيب وانتهاك الحقوق (هذا بالطبع بغضنا النظر عن أن منع المظاهرات السلمية في حد ذاته انتهاك لحقوق الإنسان).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات