بائع البطيخ وحكاية زعيم

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

ارتبطت تركيا الحديثة في الأذهان باقتران اسم تركيا الحديثة، ذات التوجه العلماني والفضاء الأوربي، باسم مصطفى أتاتورك، أو مصطفى أبو الأتراك، وخلال عقود عديدة تبادل على حكمها المدني عدة أسماء في نظام دستوري يحميه الجيش التركي ذو النفوذ الواسع، ومواد دستورية بدورها تحمي الجيش كراع للعلمانية في تركيا، ما أدى إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية التي كانت تقوم بذريعة حماية النظام العلماني مما تهدده من انتهاكات من قبل السلطات المدنية في نظام حكم برلماني.

وخلال هذه الحقبة لم يرتبط اسم أحد باسم الدولة، إلى أن جاء أردوجان الذي سعى لأن يكون زعيما مقابلا لأتاتورك في الاتجاه المعاكس، عبر ثورة ناعمة تعيد تركيا إلى الهيمنة على مجال خلافتها السابق، وأصبح توصيف "تركيا أردوجان" متداولا كثيرا في الأدبيات السياسية، وبدأ سعيه من الانتقال إلى دائرة الحاكم المدني الموظف إلى دائرة الزعيم على أشده، فهو لا يطمح لأن يكون رئيساً في دولة ديمقراطية ولكنه يحلم بالزعامة، على غرار تشافيز الزعيم الذي جاء وفق آلية ديمقراطية إلى حكم فنزويلا، لكن تشافيز الزعيم في دولة ديمقراطية شكل ظاهرة اختفت باختفائه ووضعت فنزويلا في حالة انقسام حادة تهدد استقرارها.

أردوجان الذي نشأ في عائلة فقيرة، والقائل في مناظرة تلفزيونية مع دنيز بايكال "لم يكن أمامي غير بيع البطيخ والسميط في مرحلتي الابتدائية والإعدادية؛ كي أستطيع معاونة والدي وتوفير قسم مصروفات تعليمي" والذي خاض طريقا وعرا تجاه الزعامة التي غالبا ما مثلت نزعة نفسية لمن يمرون في الطفولة بالظروف نفسها، ورغم تخرجه من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية إلا أنه سيكون مخلصا لتعليمه المراهق في مدارس (إمام خطيب) الدينية، التي شكلت شخصيته التي تحاول المواءمة بين التوجه الإسلاموي والنزوع والعلماني بشكل تلفيقي يظهر بشدة على خطبه وسياساته، لكن ميله الديني الغالب هو ما تسبب في سجنه العالم 1998 ، ومنعه من العمل في الوظائف الحكومية، ومنها الترشح للانتخابات العامة بعد اتهامه بالتحريض على الكراهية الدينية، بسبب استشهاده بأبيات شعر تركية أثناء أحد خطاباته الدعائية:
"مساجدنا ثكناتنا
قبابنا خوذاتنا
مآذننا حرابنا
والمصلون جنودنا
هذا الجيش المقدس يحرس ديننا".

ما جعله، ضمن حرصه على الاستمرار في مشروع الزعامة، يغير مساره الفكري والسياسي جذريا عبر انشقاقه فيما بعد عن حزب الفضيلة المحظور، ليدرأ عن نفسه شبهة استمرار صلته الحزبية مع أربكان وتياره الإسلامي الذي أزعج القوى العلمانية، وبدأ في تأسيس حزب العدالة والتنمية الذي تضمن بيان تأسيسه المحافظة على أسس النظام الجمهوري وعدم الدخول في أية صدامات مع الجيش التركي، وليعلن بعدها نهجه التلفيقي أو ما يسميه المفكر الإيراني، داريوش شايغان "التصفيح" الذي يحاول أن يجمع بين العلمانية والدين في مركب واحد: "سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99% من مواطني تركيا".

واستطاع هذا الحزب في النهاية أن يستقطب وجدان الكثيرين من الأتراك الذين سئموا مماطلات الاتحاد الأوربي في الاعتراف بتركيا كشريك، كما أسهمت بعض عروض أردوجان المسرحية المدروسة في تأجيج الوجدان الشعبي وزيادة مؤيديه بشكل ملحوظ، ليس في تركيا فقط ولكن في المنطقة عموما.

فافتعل مواجهة علنية مع الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، في المنتدى الاقتصادي العالمي، عام 2009 ، عبر انتقاده الحاد لسياسة إسرائيل في غزة، ولأن العرض كان منقولا على الهواء مباشرة فقد أدى هذا الدور البطولي في سياق تواطؤ إسلامي وعربي تجاه فلسطين إلى زيادة شعبيته في تركيا وفي المنطقة عموما، خصوصا بعد إخراجه الفصل الثاني من المسرحية عبر قيام بعض المنظمات غير الحكومية الموالية لحزب العدالة والتنمية بتحريك سفينة مرمرة لكسر الحصار على غزة، ما ترتب عنه انهيار في العلن للعلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني بعد أن أدت المحاولة إلى مقتل 9 أتراك من الذين كانوا على ظهر السفينة.

كانت هذه العروض تقدم فوق خشبة المسرح لاستدرار تصفيق الجماهير، بينما خلف الكواليس كان توطيد العلاقات مع الكيان الصهيوني يجري على قدم وساق، وكانت معاهدات التعاون الاستراتيجي تتقدم، بما فيها اتفاقية الدفاع المشترك، وكان أردوجان قادرا على تغيير أفكاره وسياساته مثلما يغير ملابسه الداخلية في أي وقت من باب سعيه الهستيري للزعامة التي أكدها في كتاب سيرته الذي سماه "قصة زعيم". كما لم يتخل عن رغبته المعلنة في عودة نفوذه الشخصي بحجم الخلافة العثمانية الآفلة، ما جعل تدخله سافرا في شؤون دول الربيع العربي بعد سقوط أنظمتها عبر دعمه للتيارات الإسلاموية ممثلة في أحزاب تستلهم أسماءها من حزب أردوجان.

لكن هوسه الهستيري بالزعامة مازال هو المحرك الرئيس لسياساته المتقلبة، ولم تمنعه علاقاته الشخصية الوثيقة ببشار الأسد من أن يعتبره عدوه الأول فوق الأرض، ولا علاقته العقائدية كمريد لمعلمه وحليفه السابق، فتح الله غولان، من أن يطالب أمريكا بتسليمه وبتصفية أتباعه في تركيا، ولا علاقته القوية مع معمر القذافي ــ والتي كانت وراء استلامه يوم 29 نوفمبر 2010 جائزة القذافي لحقوق الإنسان، رغم نصحه من بعض مستشاريه بعدم قبولها، واختيار القذافي أحد رموز جماعة الأخوان في ليبيا، السيد أحمد الشريف، لتسليمها له ــ من الانقلاب على القذافي بعد حراك فبراير.

لقد مارس أردوجان سلطات بحجم أي دكتاتور في العالم الثالث خلال سنوات حكمه كرئيس وزراء أو كرئيس دولة يتجاوز حقوقه الدستورية المفترضة، فماذا يريد بعد من التعديلات الدستورية الجديدة سوى الزعامة المطلقة التي تتناقض في جوهرها مع الديمقراطية، ليقود بذلك الانقلاب الشامل الأول على جده أتاتورك ساعيا لتأسيس (تركيا أردوجان) تستفيد من تراث السلطنة العثمانية وإرثها، وهذه المرة لن يكون أردوجان أبا الأتراك الثاني، لكنه سيكون بمثابة زوج الأم، أو زوج الأرملة التركية الباحثة عن "ذرا راجل ولا ذرا حيطة" حتى وإن اختبأ هذا الرجل نفسه خلف حجر، أو كما يقول في إحدى تجلياته: «اعتقادي الدائم أنه إذا اختبأ الزعيم خلف الحجر فإن الشعب سيختبيء وراء الجبل».

وكان أردوجان طيلة مسيرته السياسية يختبيء خلف حجر الدين، حيث تعودت شعوبنا أن ترى في هذا الحجر المقدس طريقتها لصنع الأوثان السياسية، بينما الشعب لا جبل سوف يعصمه من الطوفان المتوقع بعد هذا الانقسام الحاد في تركيا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات