ركن العامرية.. إنها الغبينة

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

وبعد مرور ليلة حالكة السواد اختفى فيها وجه القمر وغابت مصابيح السماء تنبهنا نحن الليبيين، على فاجعة إقبال عدد من الأطفال والشباب على الانتحار فكان منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

ولأننا قوم قلما تربط المسببات بما يترتب عليها من أحداث، ونعجز عن ملاحظة المقدمات المؤدية للتكهن الموضوعي للمستقبل فقد أخذتنا أخبار الانتحار على حين غرة، ولأن العقل هو الميزة الدائمة للإنسان فبه تعلم اللغة وبه شطح بخياله فأبدع القصص وابتدع الأساطير، وبه تصل الأسطورة المتخيلة إلى أرض الواقع وتنتقل عبر الأجيال دونما تشكيك، فقد جلسنا نتخيل بصوت مبحوح لا يمت للعقلانية بصلة في مبررات ما حدث.

جلسنا والعاطفة قد التهمت عقولنا منذ أمد طويل، فلا يمكننا أبدًا إعلان أن ما حدث كان نتيجة عقول دمرتها الأوهام وأرواح لا يتخبطها تشارلي بقدر ما تتخبطها آلاف العقد والأزمات النفسية.

ولأننا جبناء جدًا تجاه ما تحويه عقولنا الباطنة فلا يمكننا أبدًا اقتحام سر الأسرار للكشف عن الدوافع الحقيقية للانتحار، إذ كيف لنا أن نتصالح مع أنفسنا فنصارحها أنه ربما كان اليأس والإحباط والكآبة جراء هزائمنا المتتالية وخيباتنا المتواصلة وتخلفنا اللامتناهي سبب الانتحار.

ولأننا أناس لا تحكمنا إلا شعارات جوفاء وأفكار هزلية مما دفع بولاة أمرنا ووجهاء قومنا وأسياد منابرنا إلى تجاهل عوامل جهلنا. لجأ هؤلاء إلى تقديم سبب ارتكساتنا وكبواتنا وانحداراتنا على طبق من قار فقالوا "إنه تشارلي القادم من أرض المكسيك ليغزو أراضي قبائل الليبو، إنها المؤامرة التي أرسلت تشارلي لنا في تلك الليلة الدهماء"!

ولا أدري إلا وقد أسرع بناني لوصف هذه الغبينة بأنها أكبر "جريمة وطنية" بتعبير القمني، ارتكبها بعض أبناء قبائل الليبو في حق كل أبناء الليبو.

يالعجرفتنا ونحن نأنف ونكابر من الاعتراف بأخطائنا ونعلق أسباب مصائبنا في رقبة تشارلي. ياللوهن المعشش فينا بهروبنا وسكوتنا عن زارع التخلف في عقول الأطفال والشباب بلا استحياء.

والتساؤل هنا هو ما الذي يدفع الطبقة السياسية ومن يواليها في أي مجتمع على العمل على ترويج قصص شحيحة الإبداع سمينة بالأوهام حتى استحال على ثرها الخيال إلى واقع مكذوب!

أزعم أنهم جميعًا قد فقهوا أن السيطرة على العقل الجمعي لا تكون بالحديث العقلاني الرشيد وإنما ذلك المشحون بالعاطفة، فإقناع الناس بالمنطق العقلاني يتطلب خوض طريقٍ طويلٍ جدًا ويستوجب جهدًا كبيرًا للغاية وقد لا يأتي بأكله كما ينبغي بينما يعمل المنطق العاطفي بسهولة متناهية على استمالة الناس بما يتماشى مع مصلحة السياسيين وكل مناصريهم.

وبهذا تهاطلت على رؤوسنا البيانات الممجوجة والخطابات الفارغة والخطب المفوهة فوجدت تربة العقل الباطن جاهزة لاستقبال الخرافات والخزعبلات جراء ترسبات ثقافية تاريخية جدًا فلم يكن غريبًا أن يجد حديث مثل "تشارلي مصدر خطر على الأمن القومي" أصداء له داخل العقل الجمعي.

ولأن توضيح الحقيقة كأن يُقال مثلًا أنه لا وجود لتشارلي إلا في الخيال سيتعارض مع مصلحة من هم في قيادة هذا البلد التعس وذلك لعجزهم التام عن القيام ما من شأنه إخراج الوطن من مأساته الحقيقية فمن الصعب عليهم إذًا الاعتراف بما يعانيه المواطن في كل يوم من أيام هذا الوطن الموجوع.

فقطعاً تشارلي ليس مسئولًا عن تأجيج الرغبة في الارتماء في الكوارث تباعاً و ليس تشارلي من ارتضى هجرة مدن بأكملها وليس هو من دفع بابتداع الحروب الفاشلة بين أبناء الوطن ولم يتسبب تشارلي في هذا الخراب القيمي والأخلاقي الذي وصل إليه المجتمع الليبي. فهو ليس مسئولًا عن افتقاد الأمن وانعدام السيولة وقرب انهيار الاقتصاد والتصدع التام لقطاع التعليم وقد تيقنتُ من الأخير بعد متابعتي تعاطي مديرة إحدى المدارس الابتدائية لموضوع تشارلي مع تليميذاتها الصغيرات فقد تجسدت الغبينة الغليظة في طريقة التلقين المبكية التي اتبعتها المربية الفاضلة.

لم يسأل أحدهم، أعني الساسة ومطبّليهم، لم الانتحار ولم مدينة البيضاء بالذات، ولكنه الأسلوب الوعظي بوعده ووعيده الذي أثبت فشله مرة بعد مرة، بل ساهم في زرع التناقض في الشخصية الليبية. فَلَو كان نافعاً لما شهدنا شبابنا وقد نبشوا القبور ومثلوا بالجثث والتقطوا (سيلفي) وذلك على مرأى ومسمع من الجميع. ويا ليت اكتفى هذا (الجميع) بالسكون والسكوت بل تابعنا من خرج منهم ممن توهمنا أنهم أصحاب عقول واعية مبرراً الأفعال البدائية بكافة الحجج المخجلة على المستوى الإنساني والحضاري والمحرجة للغاية على مستوى الفكر الديني أيضًا. ألم أقل لكم إنها الغبينة!

يالهذا التناشز الذي نعيشه، أن يكون هناك من يستخدم (الآي فون و الآي باد) في ذات الوقت يمضي وقته مرّوجاً لفكرة خطورة تشارلي على الأمن القومي!. أي عار يلحقنا وأي شنار سنخلفه لأولادنا وأحفادنا.

نزعم أن الماضي لن يعود مهما اجتهدنا في تقليب بُطُون كتبه. ونعلم أننا اتهمنا تشارلي جزافاً بمسئوليته عن خيباتنا لعجزنا عن مواكبة الحضارة تماماً كما نفعل دائمًا، فقد كان هناك من حَرَّم استعمال مياه الصنبور للوضوء وهناك من أسرع بتحريم جواز الاستعانة بخدمات البرق بحجة تسخير الجن. ذلك كان منذ أكثر من مئة عام ومن قاومه حينها رضخ له لاحقًا والسبب أن الفتوى تلك ما عاد لها صدى في نفوس الناس فالحضارة كالقطار السريع لن تتوقف لرفضنا أو تحريمنا لها، لذا فليس أمامنا سوى التسليم لها لنمضي معها أما التعرض لها والإعراض عنها فعندها سترسل لنا تشارلي تلو تشارلي لينتقم منا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات