حروب السنوات الأربع

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

ما بين 1801 و1805 كان الصدام الأول بين شواطيء إيالات غرب مصر التابعة للإمبراطوية العثمانية التي سميت فيما بعد ليبيا، وبين قوات المارينز الأمريكية التي مازال أسطولها قيد الإنشاء آنذاك، وكان سبب نشوء هذا النزاع المماطلة الأمريكية في دفع الجزية لحكومة طرابلس القرمانلية مقابل حماية سفنها التجارية من القراصنة الذين يجوبون المتوسط.

كان جيش القرمانلي يتكون من الانكشارية والقولوغلية، بالإضافة إلى الميليشيات المسلحة من القبائل المتحالفة مع الباشا، ويُقدِّم عمداء تجمعات القولوغلية، الذين يعتبرون ركيزة الجيش، العددَ المطلوب من المقاتلين مقابل بعض الامتيازات ومنها الإعفاء من الضرائب، أما بالنسبة للكتائب المقاتلة كان يستعان بها في الحملات التأديبية ضد القبائل المعادية لحكام الولايات.

بينما الانكشاريون، الذين يعتبرون جنودا مدربين ومتخصصين، لا يقاتلون بكامل مهاراتهم إلا بتعويضات مجزية مقابل خدماتهم، وإضافة إلى هذه القوى التي كانت بمثابة المرتزقة كان للباشا كتائب خاصة لحمايته تسمى (الشاويشية)، تتكون من الأقليات الانكشارية والمسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام والزنوج المعتقين من العبودية.

بعد احتجاج الولايات المتحدة على حرق علمها فوق قنصليتها بطرابلس،أرسل المارينز الأمريكي أسطوله بقيادة البارجة فيلادلفيا لتأديب يوسف باشا القرمانلي على محاولات ابتزازه للسفن التجارية المارة بشواطئ طرابلس.

أُسرِت السفينة فيلادلفيا في طرابلس وصودرت ليطلق عليها اسم "هبة الله".

وبالتنسيق مع القنصل الأمريكي في تونس، وليم إيتون، خططت أمريكا للانتقام عبر استمالة أحمد القرمانلي، الشقيق الأكبر ليوسف باشا، المقيم بمصر، المطالب باستعادة العرش الذي فقده بانقلاب قام به شقيقه الأصغر يوسف، أو بما نسميه الآن استعادة الشرعية، وهاجمت قوات من المرتزقة بقيادة إيتون شرق ليبيا، سقطت مدينة درنة في يد هذه القوات الغازية، وأصبحت أول أرض خارج الولايات المتحدة يرفع فوقها علم المارينز. وهذه الأحداث التي أقام الأمريكيون، العام 2005 م، احتفالا ضخما بمناسبة مرور 200 سنة عليها، تمخضت عن تسمية أحد شوارع مدينة بوستن باسم (درنة)، ووضعت اسم طرابلس في قلب نشيد المارينز حتى أيامنا هذه "من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس نحن نحارب معارك بلادنا في الجو والأرض والبحر".

تحولت هذه الأحداث في الثمانينيات إلى أحد أضخم الأعمال الدرامية العربية، كتبه داوود شيخاني، وشارك فيه ممثلون من معظم الدول العربية، حيث تحمست السلطة في ليبيا لهذا العمل في ذروة عدائها للولايات المتحدة الذي أسفر عام 1986عن غارات الطيران الأمريكي على طرابلس وبنغازي وقصف معقل السلطة في باب العزيزية بعد أن مارس القذافي أعمال قرصنة مختلفة تجاه طائرات أمريكا وملاهيها الليلية. واستمر هذا العداء حتى حرب الخليج الثانية والقبض على صدام، حيث تحولت السياسة الليبية إلى نوع من المهادنة فرضها الفزع من مصير أقوى دكتاتور في المنطقة، وبدأ الغزل المتبادل الذي انتهى بتسليم البنية التحتية للمشروع النووي الليبي للولايات المتحدة دون مقابل، لينقذ به حملة بوش الانتخابية، باعتبار أن إسقاط صدام حسين وفق ذريعة كاذبة بامتلاكه أسلحة دمار شامل أتت أكلها في ليبيا، ولتنتهي القطيعة بزيارة كونداليزا رايس لباب العزيزية، ومن ثم بمشاركة القذافي لأول مرة، العام 2009، في اجتماع الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة التي مزق على منبرها ميثاق المنظمة أثناء خطابه الأطول الذي تسبب في انهيار المترجم الفوري من شدة التعب.

شكلت حرب السنوات الأربع أهمية الساحل الليبي للقوى الكبرى، ومنذ ذلك الحين ارتبط هذا الشاطيء الطويل بكل مخاوف الليبيين وذكرياتهم السيئة، إلى أن أعلنته الفاشية الإيطالية شاطئها الرابع.

والآن نحن في خضم حرب سنوات أربع أخرى، تعيد الشاطيء الليبي إلى قلب الحدث العالمي، ليس بالقرصنة هذه المرة ولكن عبر تجارة السلاح، وعبر الهجرة غير الشرعية، القناع الجديد لتجارة الرقيق، وخلال سنوات الحرب هذه تتراجع أهمية النفط الليبي بالنسبة للعالم حيث ما عاد انقطاعه يشكل فزعا للسوق العالمية الغارقة في النفط، لكن على هذه الضفاف ستنمو تجارة بديلة تستغل الفراغ الأمني وتفكك الدولة ليصبح هذا الشاطئ مصدر فزع جديد لأوروبا، ولتغدو تجارة الرقيق الجديدة مصدر تمويل الميليشيات الخارجة عن القانون بما يشبه ما حدث من علاقة بين القراصنة في الصومال والجماعات المسلحة التي تستغل الانفلات الأمني على شواطيء ذاك الممر الحيوي لتجارة العالم.

هل يجتر التاريخ بعضا من ذكرياته، هل يعيد التاريخ نفسه فعلا؟

رغم الاختلاف بين الحربين إلا أن ثمة عوامل مشتركة تجعل من هذه البقعة من العالم، مرارا، مجرد أداة لتلاعب القوى الخارجية، فالصدام كان حقيقة بين الإمبراطورية التركية والولايات المتحدة، ولم تشكل ليبيا في هذا الصدام سوى وعاء للقبائل المتحالفة مع أو المعادية للقوى الفعلية المتحكمة، وكثيرا ما كانت تتحول إلى ميليشيات مأجورة تتغير أدوارها ومواقعها ومواقفها حسب تبدل القوى فوق الأرض. وهي التحالفات نفسها تقريبا التي حدثت مع قدوم الغزاة الطليان لهذا الشاطيء، والتحالفات نفسها التي تغذي حرب السنوات الأربع التي أعقبت سقوط نظام القذافي.

فمن جديد تعود أحلام أردوجان الإمبراطورية للتلاعب بهذا الشاطئ، وعبر استغلال ولاء بعض القبائل لمحاربة القبائل الأخرى، وتصدير الأسلحة لمواليها الذين يلعبون دور الباشوات القديم، لكن، هذه المرة، وتركيا يجمعها مع الولايات المتحدة حلف واحد، الناتو، الذي أسقط نظام القذافي.

ومن جديد يعود الشاطيء الليبي ميناء شاسعاً لتصدير الرقيق في شكل هجرة غير شرعية بعد أن تراجع إيراد النفط، مثلما فعل يوسف باشا حين ضُرب اقتصاده المعتمد على أعمال القرصنة والجزية، بعد معاهدات الحروب النابليونية، فبدأ بالتعويض عن هذا المورد عبر تجارة الرقيق، وعبر سفنه التي تنقلهم من أفريقيا إلى أوروبا.

وكل ما أتمناه، بعد هذا التوارد لخواطر التاريخ، أن تكون الحرب الآن في ليبيا حرب أربع سنوات فقط، وأن لا تنتهي برفع أعلام الغزاة فوق أرضنا مرة أخرى، أو بتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول وفق خارطة الولايات العثمانية كما يقترح أحد مرشحي ترامب مبعوثا جديدا إلى ليبيا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات