".. يا خدمه في التموين"

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

السلع التموينية المدعومة التي اصطف الليبيون أمام جمعيات توزيعها طويلا، لم تكن جديدة على الشعب الليبي، وإنما قد تكون وسائل وطرق سرقتها قد اختلفت. وقبل أن أستمر فيما أنا بصدده، أريد أن أؤكد أنني من أولئك الذين يعلمون جيدا أن الحكم المطلق هو من اختصاص الله وحده، وبالتالي ليس هناك تعميم في كل ما أقوله في هذا الموضوع، فاللصوص مهما تفننوا في إخفاء سرقاتهم هم معروفون لأبناء وطنهم، وأنا أعول عليهم كثيرا.

بعض جمعيات السلع المدعومة بلغ حد تفننهم في السرقة درجة تعجب الشيطان منها، ولعل الكثيرين ما زالوا يتذكرون كيف وزعت دفعة ثلاجات أو أفران على مشتركي جمعية ما بطريقة لا يشك فيها (ديكارت) نفسه، ومع ذلك، ولولا صحوة ضمير الشيخ الذي ولد أعمى، أو لأنهم لم يعطوه حصته، وهو الذي كلف بالانتقاء العشوائي من كُدس كتيبات أعضاء الجمعية "المحظوظين " وأخبر الناس بما حدث، لما عرف أحد أنهم اتفقوا معه على أن ينتقي الكتيبات (الباردة) التي وضعوها في (فريزر) طوال ليلة كاملة؛ كان يتحسس الكتيب الأكثر برودة ويقدمه إلى رئيس الجمعية فيعلن عن اسم المواطن المحظوظ.

اقتصاد الدولة هو مؤشر استقرارها من عدمه

السلع التموينية، هي ما يعرفها جيدا جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، ( بالجرامات) التي كانت توزع بمعرفة مصلحة التموين حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي. أذكر جيدا شخصية كاركتورية، كان يعرف باسم (الزعيم) هب واقفا يصفق ويرقص برشاقة ويغني: "يا حرثه .. يا ورثة .. يا خدمه في التموين" من بعد حديث رفاقه عن أحد جيرانهم الذي اغتنى بين ليلة وضحاها. كانت تلك المهن والحالات، مثلما أخبرني "سي عقيله" رحمه الله هي فقط وسيلة المرء في الاغتناء وتبدل حال الفقير.

السلع، أو قوت الناس، هي على نحو ما عصاة ميزان اقتصاد الدولة، فما زال الليبيون يعرفون أن كل من تمكن من توريد طلبية واحدة لمؤسسة التموين في عهد القذافي انتقل سريعا من شقة إلى (فيلا) في مزرعة. وأذكر شخصية كانت لا تملك إلاّ الستر، اشتكي لصديقه في دبلن من لعنة الفقر، فكلفه بتوريد طلبية عجول، وكان صديقنا لا يعرف "البقرى" إلاّ بالكرشة، سلم الطلبية لشركة أسترالية، فتغير حاله وشخصيته المتسولة البائسة، لدرجة أنه أصبح يضع رجلا فوق أخرى عندما يقعد في الحمام.

اقتصاد الدولة هو مؤشر استقرارها من عدمه، وعن الاقتصاد نشر السيد محمود شمام في صفحته على (الفيسبوك) يوم 2/ 4/ 2017 قال فيه: "... أن الاقتصاد الرسمي -الليبي- على وشك الانهيار لكن اقتصاد الحرب الموازي بخير وينتعش كل يوم لذا ليس من مصلحة تجار الحروب ايقافها.." موضحا فيه أن المستغلين من أصحاب العقارات يمتصون مدخرات النازحين ويبنون العمارات الجديدة كل يوم. والمهربين الذين يهربون السلع والأموال والماشية والبنزين " لا يريدون عودة سلطة الدولة ومن مصلحتهم استمرار الفوضى. التجار المرابون يتفننون في تدوير الدولار، وقادة الميلشيات والقادة يبتزون الدولة والمستشارون السياسيون والمحللون والقنوات التي تتعيش على الدمار والخوف والموت، ومنظمات المجتمع المدني تتعيش على المؤتمرات والسفريات لعواصم العالم. جميعهم ليس من مصلحتهم إيقاف الحرب. النواب، بعض النواب، والوزراء يسترزقون من العمولات. ويواصل هذا الاقتصاد الاستغلالي في إقناع المواطن المنهك ان يستمر في "التحدي" وفاء لدماء الشهداء. مؤكدا أنها حرب استنزاف لكل مورد خير في حياة الناس.

هذا، وحق الله، ما يحدث في بلادنا بالفعل، وهو أمر مرعب. ولقد تصادف أنني كنت أراجع الحلقة الأخيرة للدراسة التي أعدتها مؤسسة ( clingendael) الهولندية، عن الثورة الليبية والاستياء منها، والتي ترجمتها، ونشرتها الوسط على امتداد اثني عشر أسبوعا. المصادفة أن التقرير يحدد في خلاصة دراسته بعضا من الاستنتاجات أبرزها، كما يقول التقرير: مما سبق طرحه، فإن الواقع محبط إلى حد ما، (ذلك) لأن مؤشرات الأدلة من تطور الاقتصاد السياسي للبلاد منذ الإطاحة بنظام القذافي يشير بالفعل إلى أن عددا محدودا من المسارات أمام البلاد للخروج من أزمتها..".

كيف نتوقع منهم أن يسمحوا بحل سوف يقضي على تجارتهم المزدهرة ينطلق من أمامهم من دون أن (يعكفوه)

والأزمة متمثلة في السلاح والكتائب منها المؤدلج ومنها الذي يسترزق، يعني قد يقدم خدماته لمن يدفع ومع هؤلاء رجال المال والتجار الجدد المقتنعون تماما أن التجارة شطارة ولا شأن لهم بالكلام الكبير عن الوطن والسمعة والأصل والفصل وبقية تلك الكلمات التي سفهها الذين يخدمون على رؤوسهم!.

فكيف نتوقع منهم أن يسمحوا بحل سوف يقضي على تجارتهم المزدهرة ينطلق من أمامهم من دون أن (يعكفوه). أنا لا أعتقد أنهم سيقبلون ذلك خصوصا بعدما صار لهم شركاء في منصة صناع القرار. ولا أعتقد أنهم أغبياء لدرجة لا يفكرون كيف يوفرون احتياجات المواطن الأساسية، بل سوف يقننون ويطورن نظام (الجمعيات الاستهلاكية) كأن توزع عليهم في بيوتهم مثلا، بدلا من وقوفهم في طوابير.. يعني نظام (جرامات) ولكن بتقنية متطورة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات