ساعة الأرض والفرح الممنوع

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

ساعة الأرض (Earth Hour) هي حدثٌ عالمي سَنوي ينظمه الصندوق العالمي للطبيعة من أجل تذكير الأفراد والمؤسسات بمختنقات البيئة، وتنشيط وعيهم بخطر التغير المناخي بفعل الاستهلاك غير المُرشَّد، من خلال طقس رمزي يستمر لساعة، تطفأ فيها الأضواء الكهربائية والأجهزة الإلكترونية غير الضرورية من أجل تشجيع الأفراد والمجتَمعات ومُلّاك المنازل والشَرِكات على توفير الطاقة غير الضرورية وتقليص انبعاثاتها الضارة، وكانت مدينَة سيدني الأسترالية هي أول من بدأت بهذه الحملة في 2007، لتنتشر الظاهرة حتى وصلت إلى أكثر من 7000 مدينة وقرية حول العالم.

ويقترح الصندوق العالمي للطبيعة على الأفراد والمنظمات والشركات والمدارس والجامعات وغيرها جملة من التدابير للمشاركة في ساعة الأرض، وعلى رأسها إطفاء الأضواء غير الضرورية لمدة ساعة، ونشر الوعي في هذه المناسبة بالحفاظ على البيئة عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما يدعو الصندوق المؤسسات والشركات إلى إطفاء الأضواء غير الضرورية في مقارها، وتوعية موظفيها بشأن التغير المناخي عبر أنشطة تواكب الحدث، واتباع خطوات دائمة للطاقة المستدامة في أماكن العمل وغير ذلك.

تمنيت من الجهات الأمنية، أو غيرها، التي تكالبت على ساعة الفرح، لو أنها توجهت بقدراتها على الاتهام والمحاسبة والقبض إلى كل من يسيئون إلى بيئتنا وأرضنا دون رادع

أما أهداف هذا الاحتفال السنوي فهي :
ـ تشجيع الأفراد والمؤسسات على اتخاذ مبادرات لترشيد استهلاك الكهرباء والماء يوميا ومحاربة التلوث.
ـ الإسهام في عمليات إعادة التدوير وترشيد الاستهلاك بصفة عامة.
ـ نقل التحرك العالمي لمواجهة التغير المناخي الذي يهدد كوكب الأرض من قاعات المؤتمرات إلى غرف المعيشة وسلوكيات الحياة اليومية.

وكانت مدينة دبي هي أول مدينة تشارك عربياً العام 2009 ، تلتها الرياض العام 2010. وانضمت بنغازي إلى هذه المدن أول مرة منذ أربع سنوات، حيث أحيت أول حفل يوم 18 مارس 2013م، بالتعاون مع مفوضية الكشاف، بمجمع الكليات الطبية، أو ما كان يسمى جامعة العرب الطبية.

إنها ساعة تنبه البشر إلى عواقب الإسراف في استهلاك الطاقة الذي بدأ يهدد بيئتنا وصحتنا ومستقبل أحفادنا، أو بمعنى آخر هو حدث عالمي ينهى عن الإسراف والتبذيرـ وأليس المبذرون أخوان الشياطين، كما يصفهم القرآن الكريم، وتمنيت أن الجهة المتربصة بكل نشاط اجتماعي استغلت هذه الفرصة للتوعية بشأن التبذير والفساد الذي يضرب أطنابه في كل المؤسسات، فثمة دليل نصي واضح على أن التبذير يجعل صاحبه أخا للشيطان، ولا ثمة دليل واحد على أن من يحيي ساعة تنهى عن التبذير في الطاقة هو من عبدة الشيطان.

أما ما رافق هذا الحدث من احتفالات شعبية، فإنه ليس من البرنامج المقترح لهذه المناسبة التي تركز على التوعية وطَرْق الضمير الإنساني فيما يخص البيئة، لكنه جاء في سياق حاجة الناس والمدينة التي عاشت فترة طويلة من المعاناة بسبب الإرهاب، لأية مناسبة سعيدة يعبرون فيها عن فرحهم واحتفالهم بتحرير مدينتهم، وأرادوا لأطفالهم أن يشاهدوا مناظر الشموع والابتسامات والأغاني المعبرة عن الحدث بدل مشاهدة الرؤوس المقطوعة والجثث المرمية التي ملأ بها الإرهاب موبيلاتهم .

فهل تستخسرون في الناس ساعة فرح خلال 5 سنوات من الألم والحزن والخوف؟.
تمنيت من الجهات الأمنية، أو غيرها، التي تكالبت على ساعة الفرح، لو أنها توجهت بقدراتها على الاتهام والمحاسبة والقبض إلى كل من يسيئون إلى بيئتنا وأرضنا دون رادع، إلى من يجرفون غابات الجبل الأخضر ويحولونه إلى مفحومة كبيرة، تمنيتهم لو توجهوا إلى من أقفلوا مكبات النفايات لتنتشر القمامة على جوانب الطرقات وفي الأحياء مُشكِّلة خطرا كبيرا على صحة المجتمع كله، أو تُرمى في الوديان لتلوث مخزوننا من المياه الجوفية التي لا نملك غيرها من أجل المستقبل المائي للأجيال القادمة، تمنيتهم لو توجهوا إلى من يستولون على شواطئنا ويحجزونها بأسوار عالية، وإلى من يعتدون على أملاك الدولة وأراضيها ويثقلونها بمبانٍ مشوهة، وإلى من يجتاحون الأراضي الزراعية بالإسمنت والخراسانة. هذا هو الخطر الحقيقي الذي يتهدد مستقبل أرضنا ومجتمعنا، وليس احتفال جامعة لمدة ساعة، ومشاركتها العالم في إنذار موجه لكل من يسرفون في استخدام الطاقة التي بدأت عوادمها تهدد هذا الكوكب.

جميل أن تنضم بنغازي المحررة من الإرهاب إلى أكثر من 7000 مدينة وقرية في العالم عبر هذا الوعي بالمحيط والبيئة، فلماذا تحرصون على تأكيد ما يدعيه أعداؤها بكونها معقلاً للتشدد والجمود والبيانات التكفيرية. إنها مدينة الحياة ومدينة الرغبة الدائمة في التغيير ومدينة الأُسَر الليبية الشريفة في الماضي والحاضر وفي المستقبل. مدينة الوجدان الديني الذي قاوم به أجدادنا الطليان الفاشيين لعقود، قبل أن يظهر من يتعامل مع هذا المجتمع وكأنه الجاهلية الأولى.

ظاهرة داعش التي يحاربها العالم أجمع، ويحاربها الإسلام المنفتح، لا تتمثل فقط في قتل الأبرياء

لقد حارب القذافي لعقود، عبر وسائل إعلامه ومؤسساته الدينية، كل مظاهر الفرح في ظل ترويجه لثقافة التجهم، لدرجة أنه حرق الآلات الموسيقية، وحارب كرة القدم، ومنع حتى استيراد الحلوى والشوكولاطة والفواكه والمشروبات طيلة عقد كامل مروجاً للتمر وحده كحلوى محللة للمسلمين، لكنه عجز لأن الفرح ميل إنساني جعله الله من غرائز البشر، وأذكر وقتها أني نشرت مقالة بعنوان "الفرح الممنوع" أرصد فيها مفارقة أن الشعب الجنوب أفريقي يقاوم الأبارتيد بالرقص ونحن نحيي أعراسنا بإطلاق الرصاص.

ظاهرة داعش التي يحاربها العالم أجمع، ويحاربها الإسلام المنفتح، لا تتمثل فقط في قتل الأبرياء، لأن أمماً متحضرة تقتل يوميا من الأبرياء أضعاف ما تقتله داعش، مثل أمريكا والقوى المتحالفة معها، وروسيا وغيرها من القوى التي ترتكب المجازر في حق الأبرياء شبه يومياً، لكن الاعتراض على داعش اعتراضٌ على الفكر الذي يكفر الآخرين ويجعل نفسه وصيا على عقائد وضمائر وأفئدة الناس، ويحارب كل مظاهر الفرح والتقدم، ويؤجج الكراهية بين البشر.

أهم نقد قرأته لهذا الاحتفال ما كتبه، جمال صالح الهنيد، في مقالته "احتفال جامعة العرب الطبية بيوم الأرض .. زاوية نظر أخرى للحدث" بموقع ليبيا المستقبل، في صدد حديثه عن الازدواجية لدى المواطن في تعامله مع الفضاء العام (الوطن) ومع الفضاء الخاص (البيت): "...أن الحاضرين والمشاركين في إحياء مناسبة "يوم الأرض" -التي يفترض فيها تذكير الناس بالمحافظة على الأرض والبيئة والمصادر الطبيعية- تَرَكُوا مكان الاحتفال في أسوأ حال، متسخاً بالزبالة والأكواب والأطباق والعلب والقنينات وأعقاب وصناديق السجائر.". وهذا هو الرأي القابل للتوقف عنده والنقاش فعلا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات