مصير الأغنية والمغني

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

تعود أصول الكلمة الإنغليزية الدالة على المتحف "museum" إلى الكلمة الإغريقية "Mouseion" التي تشير إلى المكان أو المعبد المخصص للميوزات "Muses" وهن ربات الفنون في الأساطير الإغريقية. ثم أصبح يدل على مبنى منفصل مخصص للدراسة والفنون والآداب وبالأخص (معهد) Musaem معد لدراسة الفلسفة والبحوث في الأسكندرية من قبل بطليموس الأول المُخَلِّص حوالي 280قبل الميلاد 1. وإذن كان المتحف في تطوره الأولي عن المعبد يشير إلى المعهد الدراسي والمكتبة التي تشتمل على لوحات وتماثيل وكتب.

لكن الشكل الذي اتخذه المتحف في الثقافة المعاصرة، من حيث هو مكان متخصص في عرض نماذج مجال معين، صناعي أو طبيعي، مثل متحف التاريخي الطبيعي أو الرسم أو النحت، يعود إلى القرن الثامن عشر وعصر التنوير 1. وعليه فالمتحف قرين حفظ المعرفة وحفظ التاريخ وإتاحتهما لاطلاع الناس.

إلا أن المتحف ارتبط، في العهد الاستعماري، بجانب سلبي يتعلق بالأضرار التي ألحقها الاستعمار الغربي بكثير من شعوب الشرق 2. "بمعنى التصفية الجسدية لأعداد غفيرة من السكان، بما في ذلك من فقدان فعلي لمعتقداتهم، وموسيقاهم، وأساليبهم في الحياة. إن هذا الجانب الذي ينطوي على الهلاك والموت في المواجهات بين الشرق والغرب يمكن تفهمه من المصطلح الذي ينطوي على تناقض ظاهري، والذي أطلق عليه اسم (المتحف)".

إذا كانت القوى الاستعمارية قد "حافظت على الأغنية الشعبية، بينما دمرت في الوقت ذاته المطرب الشعبي"، فإن ما تقوم به القوى الهمجية هو إعدام الاثنين

فالمتحف مثل، في إطار علاقة الشرق بالغرب، تصنيف الثقافات على أساس تفاضلي. إذ صُنف الشرقيون على كونهم بدائيين أو متخلفين، وفي أفضل الأحوال تقليديين. إنه "يجسد منطق الارتقاء، الذي يقيِّم مجتمعا ما على أنه أرقى من مجتمع آخر". لقد مثل المتحف في هذه المواجهة، كما يقول كومارا سوامي عملية "حافظت على الأغنية الشعبية، بينما دمرت في الوقت ذاته المطرب الشعبي"!.

إلى جانب سرقات القطع الأثرية والمخطوطات والاتجار فيها، معروفة العمليات واسعة النطاق من النهب المنظم الرسمي من قبل القوى الاستعمارية الغربية لمواد التراث الثقافي لشعوب الشرق، ومازالت الدول الاستعمارية تتلكأ في إعادة هذه المواد إلى أهلها. فعلى سبيل المثال، لم توافق فرنسا على إعادة محفوظات العهد العثماني في الجزائر إلى الجزائر إلا مؤخرا.

في الحالة الليبية، نادى معمر القذافي في اندفاعته الوطنية الأولى المتحمسة، مفتتح السبعينيات، بضرورة إعادة المواد الثقافية المنهوبة، وهي دعوة تجد تأييدا على صعيد عالمي. لكن مندوب ليبيا لدى اليونسكو، د. عبد القادر المالح، يصف، في مقابلة له مع صحيفة "الوسط"، الخميس 23 مارس 2017، المخاطر التي تتعرض لها الآثار والمعالم الأثرية في ليبيا.

فبالإضافة إلى عمليات النهب والتهريب، يشير المندوب إلى عمليات التخريب التي تتعرض لها المواقع الأثرية في ليبيا، ليس بسبب تبعات الحرب فقط، وإنما التخريب الناتج عن اللامبالاة المتمثل في تدمير وتجريف التربة في موقع أثري مثل مدينة شحات، وأيضا إلى التدمير المتعمد المعادي للحضارة (التعبير مني) حيث يشير إلى قيام مجموعة مسلحة يوم 7 أكتوبر 2014 باقتحام وتخريب جامع أحمد باشا القرمانلي المبني عام 1738، وتعرض مدرسة عثمان باشا التاريخية إلى سطو مسلح وتخريب يوم 11 أكتوبر من نفس السنة.

بطبيعة الحال، ما أشار إليه السيد المندوب هو مجرد أمثلة. ولا ننسى أننا نشهد في العراق وسوريا وليبيا حملة شعواء من قبل القوى المعادية للتراث الإنساني تدمر فيها المعالم والمواد التراثية. الأمر الذي يجعل المرء يفضل أن تنهب الآثار ويتاجر بها، على أن تعدم وتزال. لأنه في الحالة الأولى هناك أمل أن تصل إلى المتاحف وقد تتم استعادتها، أما في الحالة الثانية فتزال من الوجود ويطويها النسيان. إذا كانت القوى الاستعمارية قد "حافظت على الأغنية الشعبية، بينما دمرت في الوقت ذاته المطرب الشعبي"، فإن ما تقوم به القوى الهمجية هو إعدام الاثنين.

1- https://en.wikipedia.org/wiki/Museum
2- شيف فيسفاناتان Shiv Visvanathan ، المواجهات الثقافية والشرق: دراسة في سياسات المعرفة، ديوجين ع 200/ 144[النسخة العربية]، مركز مطبوعات اليونسكو. القاهرة، (د. ت). والعبارات المنصصة مأخوذة من هذه المقالة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات