بورا فيد

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

خلال السنوات التي أطلقنا عليها العجاف، دفع همّ الحصول على جواز سفر الليبيين إلى المغامرة باكتشاف قارات العالم، فكان المواطن (الأليف) يلتقى بصديقه (الضال) من دون أن يعرف أنه قد صار أرجنتينيا مثلا، فلا هذا يسأل ولا الآخر يخبره أن شقيقه أصبح سنغافوريا أو تشاديا. وكيفما يكون الحال؛ لم يعد (الضالون) يخشون انتهاء صلاحية جواز السفر، بينما تظل خشية دخول (الأليفين) بجوازهم ساري المفعول إلى ليبيا كخشيتهم من دخول إلى غرفة (الطهار).

في تلك الفترة اشترى أحد أصدقائي قطعة أرض في أمريكا اللاتينية، آملا بملكيتها أن يتحصل على جواز سفر، ولكنه وقع ضحية عملية نصب فضاعت الأرض وتبخر الحلم بأن يكون (كوستاريكيا). ومنذ ذلك الوقت ارتبطت (كوستاريكا) في ذهني بالنصب، وتخيلتهم يتناولون قهوتهم الصباحية، وهم يلمعون مسدساتهم كاتمة الصوت، ويصطادون الأجانب وينصبون عليهم. لم تعنِ لي (كوستاريكا) مثل ترجمة اسمها: الشاطئ الغني، بل ساحلا للقراصنة، إلى أن التقيت بصديق آخر من بعد بدء المرحلة الثانية من السنوات العجاف التي يؤرخ لها منذ " انقلاب المؤتمر الوطني العام " يوم 25. 12. 2012. كان قد أصبح (كوستاريكيا) جدا وعندما تعجبت من اختياره لهذا البلد أخذ يحكي لي عنه لدرجة أنني تخيلت أنه يحكي عن كوكب آخر. فذهبت أولا للعم (جوجل) الذي حسسني بضآلة معلوماتي التي تضعني في خانة الجهل بامتياز، وفوق ذلك أصابني مغص حاد بسبب حالة حسد مرعبة. إليكم ما عرفته عنها:

فهل هي فعلا (بورا فيدا) في ليبيا، أم (تور بوا)؟ أنا أقصد المعني الحرفي للاسم يعني (الغبار الأسود)

(كوستاريكا) التي يبلغ عدد سكانها 4.302.000 مليون نسمة تعد ضمن 22 دولة ديمقراطية في العالم، واحتلت المرتبة الأولى سنة 2009 و2012 في مؤتمر الكوكب السعيد، وأفضل دول أمريكا اللاتينية في التنمية البشرية سنة 2011 والمرتبة 69 على مستوى العالم. ولا تعاني من مشاكل اجتماعية. يبلغ دخل الفرد ثلاثة اضعاف الدول المجاورة لها. ومستوى الإلمام بالقراءة يصل 95%، يعتمدون على أنفسهم في زراعة أراضيهم الغنية بخيرات الطبيعة، ويحلون مشاكلهم كلها في اجتماعات مفتوحة بأسلوب ديمقراطي بسيط للغاية، لدرجة أن أي مواطن يقابل رئيس دولتهم بمنتهى السهولة.

اكتشفها كولومبس سنة 1502 واعتقد أنها بلد غني عندما شاهد سكانها يتزينون بأقراط الذهب، ولكن آماله خابت فلم يجد ذهبا ولا سكانا كثيرين يسهل استخدامهم. نالت استقلالها سنة 1821 وانتخب مدير مدرسة رئيسا للبلاد فأدخل نظام التعليم الابتدائي الحر وجعل شعار البلاد: "الحرية من غير علم مجرد سراب خادع!". ثم حقق الإنفاق السخي لدعم طلاب الأسر الفقيرة وصول الجامعة الحكومية مرتبة أفضل جامعات البلاد، فلقد كثرت الجامعات الخاصة لأن الطلب على التعليم تجاوز الإمكانيات المتاحة في القطاع العام. ولقد اختارت الجمعية العامة للأمم المتحدة كوستاريكا مقرا لتنشئ به جامعة السلام.

والمرء، في كوستاريكا أيضا، مثلما قال المتنبي: "ممتحن بأبناء الزنا." فلقد تحالف أحد حكامها مع حزب تتبعه (مليشيا) مسلحة ولكنه خسر الانتخابات سنة 1948 غير أنه رفض التنحي وتسليم السلطة للفائز فما كان من المثقفين إلاّ أن رفعوا راية العصيان المدني حتى هزموه خلال 40 يوما فسلم السلطة وعاد إلى مزرعته يزرع الباذنجان. فقام المنتصرون سنة 1949 بتسريح الجيش، موزعين ما يصرف عليه بنسبة 32% للتعليم 23% للصحة، ولم يخصصوا سوى 2.6 % من دخلهم للشرطة الساهرة على أمنهم، ولا تقوى جهة عليها سوى لجنة يعينها البرلمان قبيل الانتخابات لتشرف على سيرها.

منذ سنة 1949 أصبحت كوستاريكا دولة من دون جيش، علما بأن 70% منهم يدينون بالكاثوليكية و19% تتوزع دياناتهم ما بين البوذية والإسلام واليهودية والهندوسية وما نسبته 11% بلا ديانة. الرائع أن بنشيدهم الوطني عبارة تقول: "عاش العمل وعاش السلم" أما (بورا فيدا) فتعني: "حياة نقية " وهي ما يرد به على من يسأل عن أحواله، يعني: (مبحبحه) والحمد لله".

فهل هي فعلا (بورا فيدا) في ليبيا، أم (تور بوا)؟ أنا أقصد المعني الحرفي للاسم يعني (الغبار الأسود).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات