الفساد في الجهات الأربع

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

أسميت إحدى قصص مجموعتي القصصية "صناعة محلية" المنشورة في القاهرة سنة 1999، ثم في ليبيا سنة 2000، "الاستخصاص" اشتقاقا من الجذر اللغوي "خَصَصَ" وتعني استحواذ المرء على الشيء وجعله ملكية خاصة له. استخدمت في القصة شكل المقال، أو الوثيقة، حيث يتولى شخص شرح فلسفة الاستخصاص، أي الاختلاس ونهب أموال الدولة، ويدافع فيها عن "المستخصين". أي أن القصة تتحدث، بشكل كاريكاتوري، عن الفساد المستشري في الدولة الليبية حينها.

الفساد المالي، وبالتالي الإداري، منتشر عبر العالم، إلا أنه في دول الجنوب، أو الهامش، إذا ما وافقْنا الغرب على عده نفسه مركزا، يأخذ شكلا مفضوحا مشرعنا سرا ومدانا جهرا. إنه فساد متخلف في مداراة نفسه لأنه يحدث في مجتمع متخلف، ولأن المجتمع متخلف تسيطر فيه أنظمة حكم استبدادية، وما دامت الأنظمة استبدادية فلا خوف إذن من المحاسبة، وبانعدام الخوف من المحاسبة فلا داعي للتحايل والتستر والاجتهاد في ابتداع طرق ووسائل "استخصاص" تخفي معالمه. وحتى حين يعلن عن مكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين في بعض دول الأنظمة الدكتاتورية يكون الأمر أشبه بمسرحية وذا غرض سياسي من قبل رأس النظام، وليس معالجة فعالة ضد الفساد وإصلاحا لوضع الدولة. ولعل أبرز مثال على هذه "المسرحة" والغرضية السياسية ما كان يقوم به معمر القذافي بالخصوص. فلقد كان يشرع الأبواب والنوافذ لإتاحة فرصة الفساد ليقوم، عند حد يرتئيه، بمحاسبة المفسدين. وهذه العملية تحقق له، في اعتقادي، عدة أهداف:
* امتصاص نقمة الشارع المتضايق من الفساد ومعترض عليه.
* نزع ريش أجنحة بعض المثرين من الفساد المغضوب عليهم.
* إتاحة الفرصة لدخول مفسدين جدد إلى ميدان الفساد بعد انتهاء المسرحية.
ومن يراجع تواريخ الحملات ضد الفساد سيلاحظ أنها كانت تحدث بشكل شبه دوري يقترب من عشر سنوات أو يساويها.
فلقد كانت الحملة الأولى سنة 1979، والحملة الثانية كانت سنة 1986، أما الثالثة فكانت سنة 1996. في دول الغرب يسري الفساد في مسارب أكثر تعقيدا ويتخذ أساليب أكثر خفاء.

في كتابه "الثورة بلا قيادات، كيف سيبادر الناس العاديون إلى تولي السلطة وتغيير السياسة في القرن الواحد والعشرين"* يوضح كارن روس (وهو دبلوماسي بريطاني سابق مرموق) سيطرة أصحاب المال والأعمال على مقاليد السياسة في الغرب بالقول:
"بات واضحا أن احتكار السلطة من قبل القوي- تلك الميزة الطابعة لأنظمة الحكم الفردية – الدكتاتورية – أصبح متجليا في الأنظمة الديموقراطية. ففي الولايات المتحدة نرى أن جماعات الضغط من الشركات متفوقون عدديا على المشرعين [...] أحيانا لا تجترح التشريعات إلا لتمكين الأحزاب السياسية لتحصيل ريوع من مصالح الشركات. الشركات الكبرى سخية مع جميع الأطراف، حرصا منها على بقاء مصالحها محمية، بصرف النظر عن الطرف الغالب. فمازال المال هو الذي يفوز في الانتخابات، وهذه الشركات الكبرى هي التي لا تزال تسهم بالجزء الأكبر من هذه الأموال." (ص19).

ويضرب مثالا بحملة أوباما الانتخابية التي كان الثقل الأكبر في تمويلها من قبل:
"المؤسسات المصرفية والشركات مثل غولمان ساكس Golmen Sachs، مايكروسوفت Microsoft، سيتيغروب Citigroup، وغوغل Google. وبعد انتخابه، بادرت الإدارة الأوبامية، حاذية حذو الصيغة الوشنطينية التقليدية إلى تعيين أكثر من عشرين من كبرى الجهات المتبرعة للحملة الرئاسية الديموقراطية في مناصب تمثيليه، سفاراتية، ممتازة فيما وراء البحار." (ص69).

وعلى مستوى التشريع في أمريكا يقول: "تتولى سلسلة من انحرافات عدد قليل من النواب والشيوخ، وحماستهم، وزلاتهم، تحديد طبيعة التشريع المفروض على بلد يعيش فيه ثلاثمائة مليون من البشر." (ص71). لا يسمح حيز المقال بالإكثار من إيراد الأمثلة. لكننا نريد أن نختم بمثال من بلد المؤلف نفسه، بريطانيا. يقول: "في بريطانيا يتبجح السياسيون والإعلاميون بتجريح ملك الصحافة روبرت مردوخ Robert Murdoch، غير أن الفريقين نادرا ما يعترفان بأنهما ظلا، عقودا من الزمن، يتعرضان للإفساد من قبله." (ص19).

* ترجمة: فاضل جكتر، سلسلة عالم المعرفة ع 446، مارس 2017، المجلس الوطني الأعلى للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات