ركن العامرية .. رقصة الكاسكا

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

هشَّ وبشّ واستقبلني بوجه طلق سمح، المدير العام أثناء قيامي بزيارة عمل لشركته في بلد عربي يبعد عن بلادنا آلاف الأميال.

وبعد تبادل كلمات اللباقة سألني المدير الإنسان عن موطني الأصلي فأخبرته بعد أن زاغ مني البصر، فردّة الفعل المتوقعة دائمًا هي "وكيف حال ليبيا والليبيين؟ الله يهديكم ويصلح حالكم". هذا السؤال وما يتبعه بات يثير في داخلي مشاعر شتى، لذا أحاول دائمًا اختصار الإجابات وقد اضطر في أحيان كثيرة لرمي دفّة الحديث في وجهة أخرى بعيدة عني وعن موطني. ولكن هذه المرة جاء الرد مختلفًا جدًا فقد فاجأني المدير بقوله "ليبيا..! موطن رقصة الكاسكا"!.

عندها خالجت جنباتي بهجة عظيمة وصاحت زميلتي "وما هي رقصة الكاسكا؟". وبينما كان المدير يشرح لها عن رقصتنا رحلتُ أنا مع الكلمات فاتشّح رأسي بوشاح ذكريات الشباب الغابر.. الكاسكا.. رقصتنا التي جسّدنا بها نحن الليبيين معركة الحياة ضد الموت. الحياة التي صورتها الرقصة الليبية في امرأة ليبية جميلة وعاشقة ككل النساء، ترد البئر بحب فإذ بها تُفاجأ بمن يهدر المياه من جرّتها ويطردها لينجدها فرسان أشداء أشرقوا على صهوات الشمس. وتدور رحى المعركة على إيقاع موسيقى ليبية تراثية أصيلة برقصة بالعصي الخشبية إلى أن ينتصر الخير على الشر والارتواء على الظمأ والحياة على الموت.

كم أخشى قدوم يوم تقول فيه بناتنا وحفيداتنا "ليت عمري.. ليت تراثنا كان فقط رقصة الكاسكا"!

هذه رقصة الكاسكا الليبية التي اختار المدير الإنسان والذي لم يسبق له زيارة بلادي أن يذكّرني بها، وتساءلت كيف له أن يدري برقصة الكاسكا الليبية فأجابني أن الرقصة مشهورة في التراث الليبي الجميل. أرأيتم جمالًا مثل جمال هذا الإنسان، اختار أن يعيد لذاكرتي الحب الذي كان والرقص والجمال والسلام وأبى تذكيري بالقتل وحز الرؤوس وتكسير العظام والحرق والتمثيل بالجثث والجنون المتفشي وفتاوى التكفير المستشرية واستغلال الدين في الصغيرة قبل الكبيرة لبؤس الإنسان الليبي.

قد ارتبطت بلادي في ذهنه برقصة الكاسكا وهي جزء من موروثنا الثقافي المتنوع بأشكال الرقصات وأنواع الشعر والغناء والألحان والطرب، فبماذا سترتبط في أذهان الناس بعد إفناء رقصة الكاسكا.!

تذكرتُ قصتي تلك مع هذا الإنسان الرائع وأنا أطالع صور احتفال شبابنا البنغازي المقبل على الحياة بالحياة لا الموت، بالفن والفرح والموسيقى والابتسامة، فإذ به يُواجه بالرفض، لا بل التكفير وإهدار الدماء ممن اتخذ من الدين مطيّة لتسويغ الحقيقة المطلقة من زاويته ضاربًا عرض الحائط بأية آراء أخرى تخالفه وإن وردت من أهل الاختصاص. أذكر هنا على سبيل المثال حديث الإمام أبو حامد الغزالي وهو من هو حين قال "من لم يهزه العود وأوتاره والربيع وأزهاره والروض وأطياره فهو مريض المزاج يحتاج إلى علاج" وهذا عين المنطق بحسب ما أزعم. إذ كيف للإنسان أن يصم الأذن عن غناء العصافير أو هدير الأمواج وخرير المياه. يبدو أن أمهات هؤلاء الذين يحرمون الموسيقا لم تهدهدهم بالغناء وهم رُضّع ولم ترقّصهم (بالترجيب) الليبي العذب وإلا لما شبّوا على كره الفن والجمال.

ويحي وويح يوم قادم يقول فيه إنسان ما لإحدى بناتنا أو ربما حفيداتنا "أنتِ من ليبيا..! أرض العار والدمار ومعارك الأجداد على المال والجاه ولم تسلم منكم حتى القرود. معارك مات فيها الليبيون سواء وصلت لحاهم لصدورهم أو تجاوز شعرهم المناكب. أجدادكم الذين اختاروا الموت لأجل الموت وقد كان لهم الموت لأجل الموت".

كم سيكون مرعبًا ذلك التراث الذي سيورثونه للأجيال القادمة. إذ كيف لمن غمرت نفسه السعادة وبلغت روحه ذروة النشوة بمشاهد السحل والتمثيل والتنكيل بجثث الإنسان أن يعي دور الموسيقا في تهذيب النفس والرقي بالذات وملاحظة الجمال.

كيف لهم أن يلحظوا تأثير الموسيقا على الأجنة في بُطُون أمهاتهم أو حديثي الولادة وكل مراحل الطفولة. كيف لهم أن يدركوا تأثيرها على الصحة العقلية والجسدية والنفسية للإنسان ودورها في توطيد العلاقات الاجتماعية بما فيها الزوجية وتأثير ذلك على تطور المجتمع وتحضّره والحفاظ على هويته الأصيلة بالتفاعل الإيجابي الجميل بين مكوناته المختلفة. وكذا تأثيرها على التحصيل العلمي والأكاديمي وحتى الأداء الوظيفي والعملي للإنسان.

كم أخشى قدوم يوم تقول فيه بناتنا وحفيداتنا "ليت عمري.. ليت تراثنا كان فقط رقصة الكاسكا"!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات