مصراته والتدخلُ الدولي العسكري في ليبيا!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

خارج التغطية
بات الحديثُ عن أي قضيةٍ محكوماً بقطعية ومُطلقات جديدة ومُصادرة عن المطلوب، وهناك مُحددات الخروج عنها يضعك في باب المُتغرض والعمي، حيث عليك أن تردد ما يُقال وأن تُحلل في إطار معطيات جاهزة، وكل خروج عن السياق المُعطى مسبقا هرطقة: في السابق تناول المسائل السياسية دون إقحام العامل الخارجي فيها ودور الاستعمار بالتحديد يعد عمالة بل خيانة عظمى، وفي الحال تناول ذات المسائل من جانب العامل الخارجي ودور الدول الكبرى يعد اتباعاً لنظرية المؤامرة وهروباً من مواجهة الذات، أي أننا في كل الأحوال نقع تحت طائلة البعد الواحد الأحد الذي الخروج عنه كفر بيّن بالمنهج العلمي.

وهكذا تقع مسائل رئيسة خارج التغطية وتعطى بالظهر في القضايا الكبرى فما بالك بالصغرى منها، ويلزم تنحيتها واعتبارها من لزوم ما لا يلزم، والسياف حامى حمى البعد الواحد بالمرصاد والتهمة العار والشنار تلاحق الباحث في الأوجه المتعددة للمسألة التي على بساط البحث، فما بعد الربيع العربي عليك أن تكون من أتباع: طائرات مجهولة دون استفهام أو حتى تعجب.

مصراته خارج التغطية
المسألة الليبية التي كما هو ظاهر مسألة على بساط البحث في مراكز البحث السياسية والإعلامية وما شابه وعند المنظمات الدولية والإقليمية وحتى المحلية، يبدو العالم مهجوسا بهذه المسألة ولكن ثمة مدينة مركزية في هذه المسألة خارج التغطية حتى أنها في هذه الأيام تموج بصراعات وأحداث لم يسلط عليها أي ضوء ومستبعدة من هوس الميديا ورجاله والساسة المهتمين بالمسألة الليبية التي مصراته تعد القلب فيها رغم ما يبان أن الجناحين طرابلس وبنغازي.

ولهذا لا نعرف حتى النَّزر القليل: عمَ يسأل هؤلاء المتغرضون مثلي وكأنما المدينة وما يحدث فيها مثلما "طائرات مجهولة" علينا تلقي "النبأ" وكفى، لكن من جهة أخرى تبدو هذه المدينة هي مسألة المسائل في الشأن الليبي وبالتالي ما يحدث فيها هو المسألة، واستبعادها وجعلها خارج التغطية رغم ذلك يثير الريب والشكوك ويجعل الحدث المصراتي والتعتيم عليه يزيد في تعقيد المسألة الليبية، لأن قوى رئيسة على الأرض الليبية تتخذ من هذه المدينة عاصمة لها وقاعدة، هذه القوى الغائمة الهوية مجهولة المصدر لقوتها وداعميها، هذه القوى تبدو كما التنين المتعدد الرؤوس ذو الجسد الواحد، حتى أن هذه المدينة/ الدولة في صراعاتها الحالية ناطق رسمي باسمها طالب "الضيوف" أي الأجانب بالنأي عن التدخل في هذه الصراعات باعتبارها مسائل داخلية، وتوكيدا لذلك لم يكن ثمة أي صدى في البلاد وخارجها لما يحدث فكأنما "مصراته مدينة مجهولة" كما "الطائرات المجهولة" التي لا أحد يهمه تحديد هويتها أو محاولة الكشف عنها من باب الفضول ليس ألا.

إن تهوين المسألة المصراتية أو تهويلها في المسألة الليبية كلاهما غير مجدٍ وعليه لابد من أن يكون "البساط أحمدي" يوضع الأمر في نصابه

والاحداث الأخيرة في هذه "المدينة المجهولة" المركزية في المسألة الليبية لم نتبين أبعادها ولم نعرف بالتحديد مسبباتها وبالتالي نتائجها، ومن الأساس لا نعرف بالتحديد القوي المهيمنة ولم يبحث في هذا رغم أن "مصراته" في الحال الليبي العصب الملتهب، ومن هذا جاء تصريح مسئول بها أن المدينة عاشت كقائد وكوقود لحرب اندلعت في مبتدأ سنة 2011م ولم تنته حتى الساعة، وطالب من جهته إنهاء هذه المهمة والدور الذي استنزفها. لكن مظاهرات خرجت بقوة ضد المصرح وفحوى التصريح مشددة على أن تبقى "مصراته هي مصراته".

إن تهوين المسألة المصراتية أو تهويلها في المسألة الليبية كلاهما غير مجدٍ وعليه لابد من أن يكون "البساط أحمدي" يوضع الأمر في نصابه، ولن يجدي حل تغيب فيه هوية طرف رئيس في الصراع على السلطة في ليبيا، لابد من إظهار هذا الطرف من حال المتقنع والصراع من وراء حجاب. لابد أن توضع "المسألة المصراتية" على الطاولة ليس لاعتبارات جهوية بل وطنية بحتة، لأن هكذا حال يجعل من المدينة وكأنها مدينة مخطوفة وليست مجهولة وأنها حجر الأساس المهمل أو المبعد بإرادة كإرادة أصحاب "الطائرات المجهولة".

التدخل الدولي العسكري خارج التغطية
ما أكثر التصريحات حين تعدها عن عدم التدخل في الشأن الليبي، مُطلق تدخل، فما بالك بالعسكري منه، لكن عند المحك يصرح الأمريكي بتدخله، وبالتدخل الروسي العسكري، مُهونا من تدخله مهولا تدخل غيره، وكذا الفرنسي والإيطالي والبريطاني والتشادي والسوداني وما خفي كان أعظم، الكل يتدخل عسكريا ولكنهم جميعا يُجمعون على شجب التدخل في الشأن الليبي مطلق تدخل، ليبيا في سمائها تطير الطائرات المجهولة والطائرات دون طيار وفي بحرها تمخر السفن وحاملات الطائرات، وعلى ترابها ترتع قوات برية واستخباراتية صغيرة أو كبيرة لكنها جميعا قوات أجنبية لدول تطالب بعدم التدخل في الشأن الليبي، والاعتراف بهكذا تدخل رديف لشجب التدخل، وفي كل الأحوال فإن المسألة الليبية مسألة تخص الليبيين وهم من بيدهم حل هذه المسألة وإشكالها: بيدك لا بيد الآخرين يا ليبي فالمسألة ذات بعد واحد أي مسألة داخلية، ومسألة التدخل العسكري الدولي اعتبرها مسألة الموجود اللا موجود كما طائرات مجهولة ليس إلا.

منذ 19 مارس 2011 والقرار الدولي 1973 بشأن ليبيا والحل مناط بالليبيين وحتى الساعة وقيامها، أما الصواريخ والطائرات والبواخر والجنود الأجانب فمهمتهم أن لا مهمة لهم، هم كما السواح في زيارات خاطفة وخارج المعقول كما مسألة ميتافزيقية مثلا، التواجد الدولي العسكري في ليبيا حالة جنون وهل للجن فعل إلا في نفوس المجانين، هذا منطق من سيتهمك بأنك من أتباع نظرية المؤامرة وهو على حق فمن دواعي المسألة استبعاد العقل وعدم الاحتكام للمنطق.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات